رسالة شخصية إلى أحمد دومة
يا أحمد العربي، كيف حالك وأنت الفارس الجموح الذي يُعلم الدمع المهاجر أن يعود إلى الجفون، مع أن حقول الحزن تمتد من صوتك إلى ضفاف النيل المبتعدة من قاهرة المعز لدين الله إلى أسوان على أطراف الصعيد الأعلى؟ وأسألك على باب سجنك المفتوح للمدى والنسيان: من يكون هذا المهاجر في قطار السلام، سلام الروح والأبدان والأوطان؟ هل خشي العسكر من يديك على السلام؟ يا سلام! حملتَ حقائبك القديمة وحزنك الرائي، وما تبقى من كلامك عن الوطن في شعرك العالي، وحب الأوطان من الإيمان كما يُقال، وهل هذا الحب صار مجرد البحث فيه جريمة؟ أنت فارس الشعراء الذي يعلمنا بأن زمن الجنون لا يُعيق تقدم الخيول الجامحة.
يا أحمد العربي، ذاهبٌ أنت في نعيم السكوت، وأنا ذاهبٌ في جحيم الكلام؛ أقرأ الأرض، أسمع الناس، وأستطلع هذا الخراب الذي يفتك بنا. أيها الشاعر الذي رفع القصائد بيارق في وجه الريح، فراحت تخفق كموج الملح. قلنا: انتهى عصر، وها كل الخيول العاشقة عبرت سياج الخوف، وانتشرت على طول المسافة بين صوتك والصدى، ورأيت كيف الموجة أتحدت بأشرعة المدى. سألتك أحجار شوارع القاهرة ومقاهيها عن الندى والبرتقال، وعن الرجال، فانفجرت دموعك في أقاصي الأرض، وامتلأ المدى بالرعد، البعض خاف وعاد للنوم المطرز بالسلامة، والبعض قام، فقامت الدنيا. وقلت لنا: اليوم تبتدئ القيامة.
يا أحمد العربي، سقطت ثياب بلاغة الشعراء، سقطت تماثيل الخطابة، والكتابة، والغناء، وفرت مناديل البكاء من بين أيدي العاشقين. وها صديقك الشاعر زين العابدين يردد مع الشيخ إمام: (اتجمّعوا العشاق في سجن القلعة، اتجمّعوا العشاق في باب الخلق، والشمس غنوة من الزنازن طالعة، ومصر غنوة مفرّعة في الحلق، اتجمعوا العشاق في الزنزانة، مهما يطول السجن، مهما القهر، مهما يزيد الفُجر بالسجانة، مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟).
يا أحمد العربي، صرختَ، واتحد الصدى بالصوت، وسمعنا بأن قصائدك قد عبرت جدار الصمت، واتحدت بأشرعة المدى، عبرت مضيق الفاجعة، عبرت حناجرنا المضاءة بالجراح الساطعة، عبرت بين الناس كالبرق، كالرمح المبلل بالمطر، عبرت شبابيك السهر، دخلت مخادعنا المليئة بالسراب، عبرت جدار النوم، والخوف المخادع، والضباب، عبرت كعاصفة في هذه الصحراء، صحراء الكلام القاحلة، جعلت السماء أرضًا، وأحجار بيوت القاهرة أغنية خيول صاهلة.
أنت فارس الشعراء الذي يعلمنا بأن زمن الجنون لا يُعيق تقدم الخيول الجامحة، ذاهبٌ أنت في نعيم السكوت، وأنا ذاهبٌ في جحيم الكلام؛ أقرأ الأرض، وأستطلع هذا الخراب
يا أحمد العربي، ماذا أقول وأنت أمام باب سجن جمهورية العسكر؟ هل أقول نحن المنسيُّون في هذا الزمن الأغبر؟ أيعقل أن تُسجن سنة كاملة على كلام مكتوب في مدونات العربي الجديد بتهمة "إذاعة ونشر أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة عمدًا داخل وخارج البلاد، من شأنها تكدير السلم العام ونشر البلبلة"، مع أن المقال استند إلى تجربتك الشخصية في السجن، ومع ذلك تُسجن؟ نعم، فنحن نعيش في جمهوريات العسكر. ما هذا العربي الجديد الذي يسجن سنة من أجل مدونة؟ لنا الله يا أحمد العربي. وهُنا أذكر حديث رسول الله: "ربَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره". والآن، يا أحمد العربي، ها شمس زنزانتك تغيب سنة في ضباب كثيف، ونوارسك بحر قصائدك مَلَّتْ من التحليق في الأفق، فدعني أجمع أوراقًا شعثاء متناثرة من قصائد الشاعر اللبناني كمال خير بيك التي اعتمدتها لضبط إيقاع المقال، فما عدتُ أرى حروف الكلمات جيدًا كي أُتابع الكتابة، فالدموع تحجب الرؤية.