رجل ألماني يبيت استخارة قبل أن يسافر

رجل ألماني يبيت استخارة قبل أن يسافر

18 نوفمبر 2021
+ الخط -

تبدو الخلاصات التي توصل إليها صديقي أبو أحمد، من خلال سفرته العجيبة إلى حماه، شبيهةً بحكاية أبو نايف في مسلسل "الخربة" الذي كتبه صديقي الأديب الساخر ممدوح حمادة.. أبو نايف قرر شراء أرض من خصمه أبو نمر، وهو غير محتاج إليها، وليس معه من ثمنها شيء، يريد أن يشتريها من باب المجاكرة والنكاية. طلب من أحد أقاربه الأباعد أن يبيع دراجتَه النارية ويعطيه ثمنها تبرعاً، وعندما رفض قريبُه بيع دراجته التي يحتاجها لأعماله، صار جميع أقاربه (وحتى أمه) يوبخونه ويبصقون في وجهه.. هذا مع أن الذي يحتاج إلى بهدلة هو أبو نايف الذي كان يقوم بعمل تافه، هو شراء أرض للنكاية فقط.

كان أبو أحمد قد توصل في خلاصاته إلى أن كون عناصر الحواجز الأمنية يتلقون الرشاوى أمر جيد جداً، فلولا ذلك لما تمكن الركاب من السفر والوصول إلى وجهتهم! ومن خلاصاته، أن الركض والتعب والذل وقلة القيمة التي يتعرض لها السوري كلها تصب في مصلحته، لأن الراحة تسبب الاسترخاء، والسمنة، والأمراض التي تنتج عن ارتفاع نسبة الشحوم الثلاثية والكولسترول والأسيد أوريك في الدم.

سألتُ صديقي أبو أحمد إن كان لديه خلاصات أخرى. فقال: نعم. هناك خلاصة مهمة جداً، لها علاقة بالمرحوم والدي الذي كان يقول لي (الحياة يا ابني تجارب.. والرجل الذي لا يعارك الحياة يصبح تشتوشاً تافهاً، إذا حمي المزاد لا يُباع بفرنك سوري).

توقف أبو أحمد عن الكلام وصار يتمتم كلمات بصوت غير مسموع. يبدو أنه كان يترحم على والده الذي كان، في نظره، ممتلئاً بالحكمة. ثم قال: أنت تعيش في ألمانيا، لذلك سأسألك: إذا فرضنا أن الإنسان الألماني يريد أن يسافر إلى مدينة تبعد عن مكان إقامته 100 كيلومتر، يعني مثل المسافة بين إدلب وحماه، هل يعقل أن يتوضأ، ويُبَيِّت استخارة، وينام؟ وإذا طلعت نتيجة الاستخارة إيجابية، أي أن الرحمن أذن له بالسفر، هل يجلس وراء طاولته ويضع مخططاً ليدخر المال للذهاب والإياب، ويمسح كل ما هو موجود على موبايله من صور وإيميلات وأرقام ويوتيوبات؟ وقبل أن يسافر، هل يعقل أن يجتمع عنده أبناؤه وبناته وأقاربه وجيرانه ليودعوه، وأعينهم تغرغر بالدموع، وألسنتهم تلهج بالدعاء له أن يعود بالسلامة؟

قال: يا إلهي. أقسم بالله أن هذا يشبه الأحلام. على كل حال، يا أبو المراديس، بقيت عندي خلاصة ستعجبك حتماً

قلت: مستحيل. الألماني، على حد علمي؛ إذا قرر الذهاب فجأة إلى أية مدينة أوروبية، يكفي أن يفتح موبايله ويبحث عن أسهل الرحلات، وأسرعها، وأرخصها، ويمكن أن يبدأ سفره بعد خمس دقائق من اتخاذه القرار.

قال أبو أحمد: كلامك دقيق جداً، وهذا، يا سيدي، سيوصلنا إلى خلاصة مهمة أخرى.

قلت: ما هي؟

قال: الإنسان السوري أذكى من الإنسان الألماني. وهذا الرأي غير ناتج عن موقف عنصري، فشعوب الأرض، كما تعلم، كلها متساوية في الذكاء عند الولادة.

قلت: فكيف يكون السوري أذكى إذن؟

قال: لأن عقل السوري يشتغل حتى في الأمور التافهة. مثلاً: بعد أن يرسم الخطط التي تعينه على عبور الحواجز الأمنية بسلام، يفكر بالطريقة المثلى لتقديم الرشوة لرئيس الحاجز دون أن يُغضبه، وأن يوزع النقود التي بحوزته بين جيوبه وجوربيه وتكة سرواله، لئلا يراها عناصر الحاجز كتلة واحدة فيسيل لها لعابُهم. وأما المواطن الأوروبي، فمن كثرة ما تخدمه دولتُه يكسل عقلُه، ويصبح خاملاً، بليداً! العقل، يا صديقي أبو مرداس، عضو حساس جداً، يكبر ويتطور مع الاستعمال، ويضمر إذا قل استخدامه.

قلت: ها هه. يا سيدي فيها وجهة نظر.

قال: أنا أريد أن أسألك سؤالاً معطوفاً على السؤال السابق. إذا سافر الرجل الألماني إلى مدينة تبعد 100 كيلومتر عن مكان إقامته، (مثل إدلب- حماه) هل يعقل أن يوقفه حاجزُ المجاهد "جولاماصَّا" عند معمل الكونسروة ويطلب منه ما يثبت أن المرأة الجالسة بقربه على الكرسي هي زوجته؟ وإذا وصل الباص الذي يسافر فيه إلى حاجز الطزطيزة، وعثر معه العنصر الرقاص على رقم تلفون أميركي، هل يعقل أن يقول له الرقاص إن هذا رقم دونالد ترامب، أو جو بايدن؟

قلت: سؤالك لا يحتاج إلى جواب. ومع ذلك سأخبرك أنني سافرت مع زوجتي وابني إلى بلجيكا في كانون الثاني 2019، من أجل تجديد جوازات سفرنا السورية التي لا تحرز أن تسافر لأجلها من معرتمصرين إلى حربنوش، وقطعنا حوالي 400 كيلومتر ضمن الأراضي الألمانية، ثم دخلنا الأراضي الهولندية، ثم البلجيكية، ووالله لا يوجد بين الدول الثلاث حاجز أو إشارة أو لافتة أو كتابة على جدار تدل على انتقالنا من دولة إلى أخرى، لا في الذهاب ولا في الإياب، وكنا نعرف أننا تجاوزنا حدود الدولة من خلال الـ جي بي اس.

قال: يا إلهي. أقسم بالله أن هذا يشبه الأحلام. على كل حال، يا أبو المراديس، بقيت عندي خلاصة ستعجبك حتماً.

قلت: تفضل.

قال: يجب على الركاب الذين كانوا يذهبون من إدلب إلى حماه، أو بالعكس، ألا يأسفوا على الأموال التي يدفعونها لعناصر الحواجز، لأنها ستكون مفيدة للاقتصاد سواء في المناطق التي يحكمها ابن حافظ الأسد أو المناطق الأخرى. أبو مرداس، في سيرتك الذاتية أنك دارس بكلية الاقتصاد.. وهذا يعني أنك تعرف كيف تتشكل الرساميل الوطنية، وكيف تجري الاستثمارات النافعة للاقتصاد. فالعنصر الواقف على الحاجز، وهو إذا ربطته برسن، وأنزلته إلى بازار الدواب في إدلب، وعرضته للبيع لا يساوي خمسين ليرة، صارت مئات الألوف من الليرات تدخل جيبه على هيئة رشاوى، هل تتوقع أنه سيفتق المخدة ويخبئها؟ أم سيودعها في البنك ليسألوه بعدها من أين لك هذا؟ مؤكد أنه سينشئ بها منشأة صناعية أو تجارية، ومنشأته ستستوعب عددا لا يستهان به من العمال، وكل واحد من هؤلاء العمال في رقبته عيال يطعمهم من شغله. يعني الرشاوى في المحصلة مفيدة أم ضارة؟

قلت: مفيدة جداً. وأنا، بصراحة، خطرت لي خلاصة لا تقل أهمية عن خلاصاتك.. يا أخي طالما أن الطرفين، جماعة الأسد وجماعة جولاماصا يقيمان حواجز ويشلحان الركاب، لماذا لا يتحدان، ويرجعان المياه إلى مجاريها؟!