رباعية الأستاذ حليم (4)

رباعية الأستاذ حليم (4)

09 سبتمبر 2021
+ الخط -

فتحت لي زوجتي باب البيت، وسألتني: كم ثمن كيلو اللحم الأحمر؟ قلت: 18 جنيها، قالت: زاد ثلاث جنيهات، وكيلو الدجاج؟ قلت: خمس جنيهات، قالت: بزيادة جنيه وربع، وكرتونة البيض، قلت: سبع جنيهات، قالت: بزيادة جنيه، وقل مثل ذلك جنيه بالنسبة لكل المشتريات، ولما استغربت لهذه الطفرة في الأسعار التي جاوزت 25%، أنبأتها أن المرتبات والمعاشات زادت 10%، خشيت أن يكون الدواء الذي قال عنه أستاذ الأوعية الدموية أنه أساسي لتفادي مخاطر الجلطة قد زاد سعره، فأدرت قرص التليفون برقم الصيدلية، وجاءني صوت الصيدلاني يقول إن سعره قد ارتفع من 72 جنيها إلى 89 جنيها.

جذبت زوجتي سماعة التليفون من يدي وسألت الصيدلاني عن أقراص جلوكوفاج التي تتعاطاها علاجا لمرض السكر، وعن دواء قلبها والعلبة منه تكفي أسبوعا واحدا، قال لها الصيدلاني عبر سماعة التليفون إن جلوكوفاج تغير اسمه إلى جلوكوسيد وارتفع سعره إلى الضعف، ودواء القلب زاد سعره من 24 جنيها إلى 32 جنيها، سألته عن "إيزورديل 5" الذي تضع حبة منه تحت لسانها كلما فاجأتها الأزمة القلبية وثمن العلبة منه ثلاث جنيهات، قال الصيدلاني إنه اختفى من سوق الدواء منذ شهرين، ويمكن تدبير علبة منه من السوق السوداء بعشرين جنيها، سقطت سماعة التليفون من يد زوجتي وفاجأتها الأزمة القلبية، فجريت إلى علبة "إيزورديل 5" فلم أجد بها إلا حبة واحدة متبقية وضعتها تحت لسانها، ووجدتني أهتف: بالروح بالدم نفديك يا رافع المرتبات والمعاشات، وكررتها ألف مرة حتى تسمعها آذان الحيطان، وفاجأني دوار شديد، ووجدتني أسقط من فوق الحبل المعلّق الذي اعتدت أن أسير عليه كالبهلوان.

(4)

بحت لصاحبي بحكايتي، حدقني بعينيه البندقيتين، وقال إنني الذي فتلت بأصابعي حبال مشنقتي، عشت عبيطا وضيعت كل الفرص، وعلى طريقة سقراط سألت صاحبي أن يحدد مفهوم الفرصة ومفهوم العبط حتى لا نستخدم نقودا مزيفة، قال إن الفرصة هي المساحة المتاحة للاقتناص، وهي لا تدق الباب مرتين، والعبط هو أن ندعها تفلت مننا، ومضى يشرح ويفسر دلالات ذلك في حياتي المهنية، قال إنني عشت حياتي المهنية أشتق لذة من القراءة والكتابة والحصول على دبلومات الدراسات العليا.

قال إنها الفرصة التي هيأها وزير التعليم الدكتور بهاء الدين لمضاعفة دخول المدرسين من الدروس الخصوصية بتمديده الثانوية العامة إلى عامين ومرحلتين وامتحانين ودورين وتحسين بعد تحسين

أرعى تلاميذي وتلميذاتي أكثر من رعايتي لولدي الذي تسلسل من لحمي ودمي، أبذل خصاصة النفس وقصارى الجهد في تعليمهم الفلسفة، مفسرا الغريب وشارحا الغامض ومقربا البعيد، أكتشف المتفوقين منهم والمتفوقات، والمتوسطين والمتوسطات أدفعهم وأدفعهن إلى طريق التفوق، والمتأخرين منهم والمتأخرات أدعوهم وأدعوهن إلى دروس مجانية في فصولهم الدراسية قبل بدء اليوم الدراسي بساعة، ومنتهى سعادتي أن أساعدهم وأساعدهن على مشكلاتهم ومشكلاتهن التعليمية والنفسية والاجتماعية، فانصرفوا بذلك عن الدروس الخصوصية، واستطرد قائلا إنه حين ذاع صيتي ولمع نجمي في مدارس العاصمة مدرسا ناجحا لا يشق له غبار، وتسابق طلاب المدارس الثانوية وطالباتها على حجز دروس خصوصية عندي، اعتذرت عن عدم الاستجابة لمطلبهم ومطلبهن متحرجا ومتعففا من أن أمد يدي إلى تلاميذي وتلميذاتي وتكون يدي هي السفلى، وأضاف مؤنباً ومعنفاً أنه حين لاحت لي فرصة ذهبية بعد إحالتي إلى المعاش، وكان على رأس وزارة التعليم وزيرا يعرف قدري ووزني، أراد أن ينتفع بخبرتي فأصدر قرارا وزاريا بتعييني مستشارا بأحد مراكز البحث التربوي المرموقة بمكافأة شهرية يسيل لها اللعاب.
كعادتي لم أستثمر هذه الفرصة ولم أحافظ عليها، وعارضت في مقال نشرته (الأهرام) وجهة نظر أو قرار للوزير الذي أتى بعده، فاستغنى عن خدماتي على طريقة "مع السلامة ورّينا عرض أكتافك"، وفقدت المركز المرموق والمكافأة التي يسيل لها اللعاب، قلت مقاطعا: مع أن الله جل جلاله في جبروته ووحدانيته قد قَبِل أن يسمع رأيا مخالفا لرأيه تعالى، لم يقهره ولم يحذفه من قرآنه، قال تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون"، والإمام أبو حنيفة كان يقول: "قولي هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب منا"، وأضفت أنه فرق بين أن يقول أحد الرعية للخليفة الذي ملأ الأرض عدلا "اتق الله"، فيكون رد الخليفة "لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها"، وبين أن يلقي شاعر منحة من خليفة ملأ الأرض جورا فيقول له: "ما شئت لا ما شئت الأقدار، فاحكم فأنت الواحد القهار".

قال صاحبي إن هذا الذي قاطعته به هو دليل آخر على أنني لا زلت عبيطا أعيش خارج الزمن، وواصل ما انقطع من لومه وتقريعه، قال إن غيري من زملاء المهنة عرفوا موضع الأذن من بروفيل الوجه فلم يشيروا إليها من خارج القفا، أجادوا فن ترشيد الطاقة واللعب بالبيضة والحجر، وفروا جهدهم في الفصول الدراسية، واغتنموا كل الفرص، فتحوا بيوتهم للدروس الخصوصية، فكان لكل منهم السيارة والشقة الفاخرة في المهندسين أو جاردن سيتي وأخرى في المعمورة، والرصيد المتزايد باستمرار في البنوك، وبعينيه البندقيتين حدقني وكأنه ينذرني الإنذار الأخير، قال: هل لا أزال عبيطا أضيع الفرصة الذهبية الأخيرة؟

أرهفت أذني لأسمع، قال إنها الفرصة التي هيأها وزير التعليم الدكتور بهاء الدين لمضاعفة دخول المدرسين من الدروس الخصوصية بتمديده الثانوية العامة إلى عامين ومرحلتين وامتحانين ودورين وتحسين بعد تحسين، فتسابق مئات الألوف من الطلبة والطالبات على تحسين درجاتهم ودرجاتهن على مدى عامين وأربع امتحانات، في سباق غير مسبوق على غرف العناية المركزة في بيوت أمهر المدرسين الخصوصيين وأكثرهم خبرة بأساليب الامتحانات ومزاج واصفيها، وذلك بعد أن رأوا رأس الذئب الطائر فخافوا على رؤوسهم، ورأس الذئب الطائر هنا هم عشرات الألوف الذين أفرزتهم الثانوية الجديدة بمجموع درجات يخترق حاجز الصوت 90% ولم يؤهلهم للالتحاق بالكليات التي يرغبون في الالتحاق بها، وهو أمر لا مثيل له في أية ثانوية عامة في العالم، وأضاف أنه لا يوجد من هو أمهر مني، ولا من تطاول قامته قامتي مدرسا ناجحا خبيرا بأساليب الامتحانات والتفوق، وتركني أفكر في أن أمد يدي لتلاميذي وتلميذاتي وتكون يدي هي السفلى، بعد أن اشتعل الرأس شيبا ووهن العظم، وترهل لحم الوجه ثم تغضن، وانقضى من حياتي طريقها الصاعد ولم يبق لي منها إلا طريقها الهابط وكسرا بركبتي اليمنى وجلطة بأوعية الساق الدموية وعصا أتوكأ عليها.

....

انتهت رباعية الأستاذ حليم فريد تادرس التي لم تجد طريقها إلى النشر من قبل، ولا أدري هل كان يمكن أن يحدث نشرها فارقاً في حياته، لو تم الالتفات بشكل أكبر إلى موهبته في الكتابة، ووجد من ينشر له كتابات مطولة مثل هذه، بعيداً عن الرسائل المقتضبة المكتوبة بلغة محافظة أو المتخصصة في التعليم والتي كان ينشرها في بريد (الأهرام)، ولا أدري أيضاً هل حاول أن ينشر هذه الشهادة في صحف أخرى إذا كان يحتفظ بنسخة منها؟ وهل كانت له كتابات أخرى في السنوات العشر التي قضاها بعد كتابة هذه الشهادة قبل أن ينتقل إلى رحاب الله، وهل تحدث في تلك الكتابات بشكل مفصل عن شهادته على أحوال التعليم الذي حاول كثيراً أن يسهم في إصلاحه؟

أتمنى أن تجد هذه الأسئلة طريقها إلى الإجابة يوماً ما. ألف رحمة ونور على روح الأستاذ حليم فريد تادرس.