رباعية الأستاذ حليم (1)

رباعية الأستاذ حليم (1)

06 سبتمبر 2021
+ الخط -

حين أنهيت قراءة أول صفحتين مكتوبتين بذلك الخط المنمنم الجميل، أدركت أن الأستاذ إبراهيم عيسى لم يكن مبالغاً حين قال لي إنني سأقرأ كتابة فريدة من نوعها، أجمل من كل ما كتبه كتاب صحيفتنا ذوو الأسماء الرفيعة والمشاوير الممتدة مع الكتابة، ولذلك لم ينتظر حتى أقوم كعادتي بكتابة عناوين للمقالة التي قرر أن ينشرها على صفحة كاملة في عدد (الدستور) القادم والصادر في بداية مارس 1998، حيث قام هو بكتابة العناوين التي بدأها بعبارة "حليم فريد تادرس يكتب"، تقديراً لكاتبها الذي أرسل لنا مقالته بالبريد مختاراً لها عنوان "رباعية من دفتر أحوال الوطن"، ومعرفاً نفسه بأنه "مستشار الفلسفة بمركز تطوير المناهج سابقاً"، لتذكرني مهنته بأنني كنت أقرأ له بشكل منتظم رسائل ينشرها له بريد (الأهرام) الذي كان من أبرز كتابه، لكنها كانت تعليقات قصيرة منتظمة في حدود ما تسمح به مساحة باب البريد الذي كان يشغل ثلث صفحة تقريباً، وفي حدود ما تسمح به قيود النشر المتداخلة والمتعددة، بعكس هذه الكتابة الحرة المنطلقة التي ملأ بها الأستاذ حليم سبع صفحات فلوسكاب مسطرة، فحزنت حين أنهيت قراءتها أنها انتهت، ومنيت نفسي مثل إبراهيم عيسى أن يؤدي نشر كتابته إلى تواصله معنا وإرساله المزيد من الكتابات الجميلة.

لكن ما تمنيته لم يحدث، لأن (الدستور) تعرضت للإغلاق بقرار رئاسي في العدد الذي كان يفترض أن تنشر فيه (رباعية الأستاذ حليم)، وحين تأكدت أنها لن تعود للصدور ثانية، وأنني يجب أن أبحث عن مكان آخر لأعمل فيه لكي أتمكن من دفع الإيجار، كانت تلك الأوراق ضمن ما حملته معي على أمل أن تتاح لي فرصة نشرها في صحيفة جديدة، وحين حاولت نشرها بالفعل في تجربة صحفية تالية، لم تلق حماساً من رئيس التحرير الذي لم يستوعب أهمية إفراد هذه المساحة لكاتب غير معروف، بينما يمكن أن يملأها كاتب مشهور، وربما لأنه كان يحمل عقلية كهذه، لم تستمر تجربته الصحفية طويلاً، لتبقى أوراق الأستاذ حليم معي في الكراتين التي أحملها من شقة إلى أخرى، ولم أكن أتصور أنني حين أقلب في محتويات حقيبة أوراق وصلتني بعد عبورها الأطلنطي قادمة من مصر أنني سألتقي بتلك الرباعية بعد طول غياب.

حين أعدت قراءة الرباعية لم يقل إعجابي ولا تقديري لها عن أول مرة قرأتها فيها، وشعرت بسعادة غامرة لأنني احتفظت بها كل هذه السنين، وأنني سأكون سبباً في وصولها للقارئ ولو متأخراً جداً عن الموعد الذي أراده الأستاذ حليم فريد تادرس الذي وجدت إشارات عابرة له على شبكة الإنترنت، جاء في بعضها أنه كان "موجه أول الفلسفة بمحافظة الشرقية وعضو الأمانة الفنية لتطوير التعليم"، وأنه كان يكتب مقالات في مجلة (الهلال) سنة 1981 لمساعدة الطلاب على التفوق في مادتي الفلسفة والمنطق، وأنه ساهم في بعض الكتب التي تساعد على شرح دروس الفلسفة والمنطق، وأنه كان من الغيورين على اللغة العربية والمدافعين عنها في كل ما يكتبه، وأن عباس العقاد نشر له رسالة في عام 1960 عن حين كان لا يزال مدرس فلسفة في المرحلة الثانوية يعارض فيها دعوة بعض المسئولين عن التعليم إلى التقليل من دروس الفلسفة لمصلحة تدريس الاقتصاد، وإدراكاً لأهميتها قام العقاد بنشرها في كتابه (يوميات).

ثم وجدت في أحد المدونات نص رسالة لابنته الدكتورة مروى أرسلتها إلى بريد الأهرام في ذكرى الأربعين لوفاة والدها بتاريخ 29 أغسطس 2008، تقول إن آخر رسالة لوالدها نشرها عبد الوهاب مطاوع في بريد الجمعة بعنوان (روحان حللنا بدنا) بتاريخ 9 مايو 2008، وكان قبلها قد توقف عن الكتابة لمدة أربع سنوات بعد وفاة زوجته، وقالت له إن والدها كان يقوم بجمع الأسرة صباح كل يوم جمعة لمناقشة رسائل بريد الجمعة والتعليق عليها قبل قراءة تعليق الكاتب، وأنه ظل حتى آخر لحظة مهتماً بقضايا التعليم وكان يحرص على أن تصل آراءه إلى وزراء التعليم مثل الدكتور حسين كامل بهاء الدين الذي كان يحرص على تهنئة والدها كل عيد، وكم كنت أتمنى أن تكون هناك وسيلة للتواصل مع الدكتورة مروى وباقي أبناء الأستاذ حليم، لأعرف عنه أكثر ولأرسل إليهم نص الرباعية التي أحتفظ بها بكل تقدير واعتزاز، ومن يدري ربما يكون نشر هذه الرباعية سبيلاً للتواصل معهم، لكن الأهم أنه سيكون وسيلة لإيصال كلماته الصادقة والمبدعة، عليه ألف رحمة ونور.

أترككم الآن مع (رباعية من دفتر أحوال الوطن) للأستاذ حليم فريد تادرس:

صورة مكررة أنا أو مستنسخة من شخصية "فيلينت" في مسرحية موليير (عدو البشر)، مجامل من الطراز الأول، لا يصطدم بأحد، يحاول إرضاء الآخرين والابتسام في وجوههم

(1)

مواطن عادي أنا لا يملك من متاع الدنيا إلا دعاء الوالدين، وشهادة الليسانس في الفلسفة موديل 1953 وحزمة من دبلومات الدراسات العليا، من الأغلبية الصامتة التي يلسعها كرباج الحاجة في الصباح، وتلعن السبعة والعشرين يوما آخر الشهر كل مساء، وتسأل الله أن يفرج كربتها إما بالستر أو بالموت الطبيعي غير المسبوق بمرض، أسير دائما إلى جوار الحائط وعيني على مصائد الطرق من حفر وبالوعات وسيارات، لا لأني أخشى ما يخبئه القدر، لكن لأن دعاء الوالدين والدرجات العلمية يعجز وتعجز عن الوفاء بتكلفة علاج من كسر بعظام مشط القدم أو بعظام الحوض.

واحد أنا من الشعب "أبو الغُلب" بتعبير يعقوب صنوع في القرن التاسع عشر، تعاقبت عليه التجارب السود عبر القرون، عرف من قهر وظلم واستبداد الفراعين والرومان والفاطميين والمماليك والأتراك وهم الزمان ما يفيض به الكيل، حتى باتت أصابعه تخاف من أظافره ومقتيه تخاف من الأبصار، أرتعد حتى أطراف أصابعي كلما وقع بصري على رجل شرطة، ولا أنسى هذا الإسهال المفاجئ الذي أصابني حين لقيني على الطريق أحد تلاميذي القدامى في المدرسة الثانوية وانحنى على يدي وأنبأني بأنه محام عام بالنيابة العامة، وترك لي بطاقة تحمل اسمه ووظيفته ورقم تليفونيه، سرعان ما تخلصت منها على الطريق، لم أدخل قسم شرطة في حياتي قط شاكيا من اعتداء وقع على شخصي أو متضررا من نشل مرتبي، فأقسام الشرطة لا يصيبنا منها إلا الأذى، كما لم أدخل محكمة قط لأن من دخل محكمة في مصر يخسر بقرة ليكسب قطة.

ولأنني قرأت موسوعة جمال حمدان (شخصية مصر)، قرأتها أكثر من مرة، وضعت خطوطا حمراء تحت فقرة من فقراتها تقول: "إن الحاكم في مصر إله إلى أن يسقط، وهو فوق النقد إلى أن يرحل، وهو التاريخ والجغرافيا إلى أن يأتي غيره، إنه يتوهم دائما أن مصر ملك له، ضيعته أو قريته الكبرى، هو الدولة والوطن، والولاء للوطن هو وحده الولاء للنظام والحاكم، إنه يعتبر كل نقد يوجه إليه شخصيا إنما هو موجه لمصر، وكل نقد موجه لمصر موجه إليه شخصيا وبالتالي فهو خيانة عظمى.. الخ"، لأني قرأتها وحفظتها ولأن الشواهد والوقائع أيدتها، ولثقتي في عبقرية كاتبها وقدرته على التنظير الدقيق، فقد اعتدت دائما أن أعطي صوتي للحكومة رغم ما يقع في خبرتي المباشرة من أنها رفيق فراش مزعج، لو نمت معه في فراش واحد، رفسك طوال الليل وسحب منك المخدة والغطاء، ودفعك إلى حافة السرير لتجد نفسك في الصباح نائما على البلاط بدون مخدة أو غطاء.

أتكلم بلغة الحكومة وأستخدم كل مصطلحاتها، أطلق على الكبائر أنها "تجاوزات"، وعلى التربح بالملايين من أعمال الوظيفة "سلبيات"، والاعتقال "تحفظ"، والهزيمة "نكسة"، ورفع الأسعار "تحريك الأسعار"، والكوليرا "أمراض الصيف"، أصفق دائما للسلطان، أي سلطان على طريقة جدنا الأكبر كبير مستشاري رمسيس الثاني يوم أن دعا ذلك الملك الفرعون مستشاريه لاستشارتهم في حفر بئر في الصحراء، وقبل أن يطرح عليهم فكرته، وقف كبير المستشارين يقول للفرعون: "إنك شبيه رع في كل ما تعمل، وكل شيء يجري كما يشاء قلبك ويهوى، فإذا رغبت في شيء ليلا فسرعان ما يحدث عندما يبزغ نور الصباح، لقد حكمت وأنت نطفة في بطن أمك، وما من أثر إلا وأنت صاحب فكرته ومنفذه، وعندما كنت تقول للماء اصعد إلى الجبل، كان المحيط يلبي إشارتك..." إلى آخر هذا النص الذي جرى على لسان كبير المستشارين، وترجمه أدولف أرمان وهرمان رانكه من الهيروغليفية إلى الألمانية، ثم نقله إلى العربية الدكتور عبد المنعم أبو بكر والأثري الكبير محرم كمال، وحاكاه شاعر من الأغلبية الصامتة لكن بلغة هذه الأيام فقال:
لئن قال الرئيس اليوم سبتٌ
لقالوا الحق ما قال الرئيس
وإن قال الخميس غداً 
لقالوا ونعم السبت يعقبه الخميسُ
وإن دعا الرئيس لأي رأي 
لقالوا إنه الرأي النفيسُ
وإن يضحك فكلهمُ ضحوكٌ
وإن يعبس فكلهمُ عبوسُ
قيام لو يراد لهم قيامٌ
جلوسٌ لو يراد لهم جلوسُ

ومن ثم بتُّ أخشى الكلمة منطوقة كانت أو مكتوبة، وأحلى الكلام عندي هو ما ظل في دائرة الذهن لغة غير منطوقة أو مكتوبة وإن زلف خاطري باعتراض تذكرت ذلك الوالي التركي الذي أطلق جَمَلهُ يرعى في حقول الفلاحين المصريين، فقرروا مواجهته ليوقف هذا الاعتداء، فلما بلغوا مجلسه تذكروا ما يفعله الولاة والسناجق بالرعية، فلما سألهم عن سر مجيئهم قالوا ـ حفظا للذات من المحاق والانسحاق ـ "نريد للجمل ناقة تؤنسه"، ولأنني تعلمت الدرس ووعيته، والعاقل هو من يتعلم من تجربة غيره، لأني كذلك، فإني لا أرى في طوابير الخبز الممتدة أمام المخابز تحت أشعة شمس الصيف الحارقة إلا صورة من صور التدريب على الصبر وهو فضيلة، وإذا انحشرت كدودة بين دود لا حصر له في أتوبيسات النقل العام، قلت إنه البنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

وحين بدت أسافلها أعاليها وأعاليها أسافلها، والقوالب نامت والانصاص قامت كما يقول المثل الشعبي وتطورت الحمير إلى أباعر، قلت هي مشيئة الله الذي أعطى سليمان الكنوز وابتلى أيوب بالصبر والمرض، وحين ارتشت كلاب الحراسة وأصبحت كالنعام وتوحش الفأر وخشيته القطط "أغلقت أبوابي وأوصدت نوافذي وبقيت كالحجر المنصوب على الطريق، قد انمحت من فوقه علامات الطريق"، كما يقول بدر الديب في ديوان شعره "تلال من الغروب".

صورة مكررة أنا أو مستنسخة من شخصية "فيلينت" في مسرحية موليير (عدو البشر)، مجامل من الطراز الأول، لا يصطدم بأحد، يحاول إرضاء الآخرين والابتسام في وجوههم حتى لو كان في أعماق نفسه غاضبا عليهم شديد الرفض لهم ولكل مواقفهم في الحياة، ومثلي الأعلى هو "هيروشيتو" ذلك الجندي الياباني المطيع الذي وجدوه في خندقه بعد أربعين عاما من نهاية الحرب العالمية، ومعه بندقيته ينتظر تعليمات الإمبراطور.

....

نكمل غداً بإذن الله.