رابطة منتظري السمنة من فخذ النملة

رابطة منتظري السمنة من فخذ النملة

18 ابريل 2021
+ الخط -

لا يريد بعض أصدقائي ومعارفي أن يلغوا عضويتهم طويلة المدى في رابطة (منتظري السمنة من فخذ النملة)، ولذلك تراهم هذه الأيام يكتبون كلاماً كامل العشم ـ ولا أقول السذاجة ـ يتصورون فيه أن تذكير نظام السيسي بالأخطاء الكارثية التي ارتكبها في إدارة ملف سد النهضة الأثيوبي خلال السنوات الماضية، قد يدفعه إلى إعادة النظر بشكل جذري في سياساته، بل إن بعضهم أخذ يعاتب السيسي على عودته لتحميل ثورة يناير المسئولية عما جرى في ملف سد النهضة، متصورين أنه سيتوب وينيب إلى الله لو قالوا له ناصحين مخلصين إن كلامه هذا يثير الانقسام بين أبناء الشعب في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى التكاتف والتعاون من أجل حل هذه الأزمة.

يحتاج هؤلاء الأصدقاء إلى من يذكرهم بطريقة أداء النظام خلال أزمة المواطنين الخمسة الذين قام بتصفيتهم بعد أن اتهمهم بسرقة وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، وحين قامت الحكومة الإيطالية برفض رواية النظام وأصرت على محاسبة الضباط المسئولين عن القتلة، لم يخرج أحد من النظام ليقول كلمة لأنصاره قبل أعدائه عما جرى، ويعلن محاسبة من ارتكب تلك الفعلة الشنعاء، وأظن أن هذه الواقعة هي النقطة المركزية الثانية ـ بعد مذبحة رابعة ـ التي لا يمكن أن يتجاوزها كل من يرغب في فهم وتحليل أداء نظام السيسي، واستناداً إليها أعتقد أن النظام سيتعامل مع أي قلق شعبي قد يحدث مستقبلاً بسبب تداعيات موضوع سد النهضة بوصفه فرصة ذهبية لرفع شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، لكي ينسى الجميع غصباً عنهم إن لم يكن بمزاجهم أن السيسي هو من تسبب في كارثة التوقيع على اتفاق المبادئ مع أثيوبيا في وقت مبكر كانت مصر لا تزال تمتلك الكثير من الأوراق للتعامل مع أثيوبيا قبل أن تقطع شوطاً أبعد في مشروعها، وسيكون على الجميع أن يلتفوا حول سبب الكارثة لسحق من يتهمونه بالتسبب في الكارثة، واتهامهم بافتعال الفتن في وقت تحتاج البلد إلى ألا تسمع فيه صوتاً غير صوت المعركة الذي لا ينطق به أحد غير السيسي، ولعلك لن تندهش لو قلت لك إن هذه الطريقة ستأكل مع نسبة لا يستهان بها من المصريين الذين يطيش صوابهم وتتخدر مراكز النقد في أدمغتهم إذا سمعوا في الخلفية صوت مارشات ونايات وفيديوهات لأي بدلات مموّهة مع المزيد من كمنجات ياسر عبد الرحمن وفيديوهات موكب المومياوات.

وإذا كنت تتصور أنني أبالغ دعني أحكي لك عن رسالة جاءتني بعد أن نشرت على صفحتي في فيس بوك مقتطفات من يوميات الدكتور بطرس بطرس غالي التي حكى فيها عن مهازل الأنظمة المتعاقبة في إدارة ملف نهر النيل، قالت لي فيها مواطنة جامعية سيساوية بغضب شديد: "مش ده بطرس غالي اللي قلتوا عليه حرامي، جاي تستشهد بيه دلوقتي، منكم لله خربتوا البلد"، ولأنني ظننت فيها الخير، فقد نبهتها إلى الفرق بين بطرس بتاع الخارجية وقريبه يوسف بتاع المالية، لكنها بدل أن تعتذر لي قررت أن تتهمني بالخيانة والعمالة، فمنحتها البلوك المتين، ليس لأنها خوّنتني، فأنا معتاد على التخوين والتكفير، ولكن لأن رسالتها الأولى تسببت في تعطيل مفاجئ للمراكز المسئولة عن الشخر في المخ، فلم أنجح في استخدامها حين قرأت رسالة تطالب بتجريم كل من يسأل عن أي تفاصيل لها علاقة بالضربة العسكرية المرتقبة لسد النهضة أو التساؤل عن تداعياتها وخطورتها، لأن هذا السؤال يعد تهديداً للأمن القومي وزعزعة للجبهة الداخلية، وكان ينقص من كتب الرسالة أن يقول إن ضرب أثيوبيا يبيحه القانون الدولي الذي يجرم خطيئة الحلف الكاذب بالله والتي ارتكبها رئيس وزراء أثيوبيا الذي لم يحترم هيبة السيسي وجلاله.

من ناحية أخرى، سألني أخ كريم برئ إلى حد مستفز: "هو يعني السيسي مش عارف الكلام اللي قاله بطرس غالي؟ طيب ليه ما بيقولوش عشان يبين للشعب إن الموضوع وراه تراكمات عهود سابقة على رأسها عهد مبارك، ده حتى أنفع له من إنه يجيب سيرة يناير ويحاول يلبّسها اللي حصل"، ولأن "السؤال ما حُرُمش"، سأكتفي بكل هدوء بتذكير الأخ السائل بموجز سريع عن علاقة السيسي بثورة يناير التي بدأت بتمسحه في أول عهده "بالشويتين بتوع ثورة يناير العظيمة ذات المطالب المشروعة التي تم اختطافها من الإخوان والانحراف بها"، قبل أن ينتقل بعد تمكنه من السلطة إلى الحديث عن شبه الدولة التي كانت قبل مجيئه والتي قرر أن يحولها إلى دولة، ثم قرر بعدها أن يشتغل على سكة أنه مبعوث العناية الإلهية لاستعادة الدولة المصرية القوية بعد محاولة إسقاطها بالفوضى في يناير 2011، وهي السكة التي صادفت هوىً لدى قطاعات واسعة من مؤيديه، لأن من الأريح والأسهل أن ترمي بلاءك على أناس هم ما بين قتلى راحلين أو مساجين مضطهدين أو منفيين ملعونين أو مقيمين مخوّنين، وبعد أن استثمر السيسي الكثير في هذه السكة الرخيصة، لا يمكن له أن يقر بلسانه أنه لم يكن هناك دولة تدير ملف الأزمة ولا دياولو، وأن برشام المصالح والتحالفات الإقليمية كان "سايق من الأول"، ومن يدري، لعله يحتاج إلى أن يعيد التذكير بخطايا سابقيه في هذا الملف، حين تشتد أزمته، لأنه يؤمن بمبدأ "اللي تكسب به العب به"، وبالتالي سيلوم ثورة يناير حين تداعب خيالاتها أذهان الناس، وسيتحدث عن شبه الدولة التي حولها إلى دولة حين يحتاج إلى ذلك.

ومع أنني لا أرى أي جدوى من المجهود الذي يبذله بعض المخلصين و"الطيابة" في الدفاع عن ثورة يناير ضد اتهامات السيسي، خصوصاً حين يتصورون أنهم سيغيرون رأي السيسي حين يطلعونه على الحقائق التي تكشفها شهادات متوالية، إلا أنني أجد أنه لا بأس من باب أن الذكرى قد تنفع المواطنين أن أشير إلى شهادة مهمة وقليلة الانتشار، أدلى بها الكاتب الكبير عبد العظيم حماد رئيس تحرير الأهرام الأسبق، وقال فيها إنه التقى هو والكاتب الكبير عادل حمودة في عام 2009 برئيس المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان، وسألوه عن مشروع سد النهضة الذي أعلنت أثيوبيا وقتها عن بنائه، "فاستبعد تماما بثقة مطلقة اتمام المشروع واعتبره طنينا علي الفاضي ودلل علي ذلك بأنه في العام الماضي كان الفيضان عاليا وأدي الي إلى إطماء مخرج احدي البحيرات التي تصرف في النيل الأزرق وكادت جزر هذه البحيرة تغرق بما عليها وأن كنيسة تاريخية مهمة للأثيوبيين علي إحدى هذه الجزر كانت مهددة بالاختفاء ولم يستطع الإثيوبيون بخبراتهم وإمكاناتهم المحدودة تطهير مخرج البحيرة واستنجدوا بمصر التي انقذت الموقف وأضاف ضاحكا لقد كلفونا ١٢ مليون دولار فهل هؤلاء سيبنون سدا؟"، طبقاً لنص الشهادة التي كتبها الأستاذ عبد العظيم في حسابه على فيس بوك قبل سنوات وتم إعادة نشرها آلاف المرات.

كنت قد قرأت كلاماً كتبه أحد أبرز أعضاء "رابطة منتظري السمنة من فخذ النملة" يناشد فيه السيسي بأن يتوقف عن مهاجمة ثورة يناير، ويطلب منه إطلاع الشعب على حقيقة الدور الكارثي الذي لعبه نظام مبارك، لكي يساعد هذا الكلام على توحيد صفوف الشعب خلفه، ومع أنه لم يقل ما الذي سيحققه هذا التوحد المرتقب؟ وما الذي فعله السيسي في هذا الملف حين كان أغلب الشعب ملتفاً حوله ومؤيداً لكل ما قام به من قتل وقمع؟ لكنه ينسى أن المواطن المصري في ساعة الجد لن يفرق معه مبارك ولا الذين ثاروا عليه ولا يناير ولا يونيو ولا سبتمبر، لأنه سيكون مهتماً بالبحث عن حل للمصيبة التي تهدد حياته ومستقبل أولاده، ولذلك يمكن له أن يجمع بين تصديق أن السيسي سيجبر أمريكا على حل الموضوع، وبين الإيمان أن أمريكا تتآمر على مصر وترغب في تقسيمها، وبين الأمل في ضغط إسرائيل على أثيوبيا لكي تنقذ حليفها الأهم والأقوى، وبين الاعتقاد بأن المعارضين عملاء لإسرائيل، ولا أظنك ستلوم مواطناً حين يجمع بين خلطة مربكة من الضلالات، إذا كان من يحكمك ويحكمه قد وصل إلى الحكم بخلطة أضل وأضرط من تلك الضلالات.

لذلك ولذلك كله ستقابلك في الفترة القادمة كثيراً العبارات التالية: "أيوه يا سيدي عارفين إن في أخطاء حصلت، ممكن نتوحد بقى عشان نحل الكارثة دي"، وسينتج من وحي هذه العبارات أغاني وأوبريتات وأفلام ومسلسلات، وربما أضيفت إلى ديباجة الدستور، وبالطبع لن يكون مقبولاً منك أن ترد بعبارات مقابلة تقول فيها: "التعامل مع أي كارثة في الدنيا يبدأ بالاعتراف بها ثم بمحاسبة المسئول عنها أو تنحيته عن المشهد، لأن السماح باستمراره على رأس المشهد سيؤدي بالضرورة إلى كارثة أشد، وهي حقيقة مؤلمة لكنها مجربة تاريخياً، ولا يمكن التهرب منها بالأحلام أو الأوبريتات أو التمنيات الطيبة ولا بأن تكون مذكوراً في القرآن والإنجيل".

يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف.