رأي يصب في أهوار العراق

رأي يصب في أهوار العراق

22 يونيو 2022
+ الخط -

علاقتي بالشيوعيين العراقيين، صحيح أنها عن بُعدٍ، ولكنها تمتد في الزمان لأكثر من أربعين عاماً من أواخر سبعينيات القرن العشرين عندما كانت تصلنا إلى مدينة إدلب في الشمال السوري جريدة "طريق الشعب" ومجلة "الثقافة الجديدة" بشكل متقطع، ولكنها تصل في النهاية بين الحين والحين عن طريق الشيوعيين السوريين. ومن ثمّ تابعنا نشاطات الحزب في مختلف المجالات وساعدتنا فرقة "الطريق" العراقية بأغانيها المميزة في الاقتراب الأكثر من صاحب شعار: "في سبيل وطن حر وشعب سعيد" وحتى أغنية "يا بشاير هلت من الناصرية" كنا نحفظها عن ظهر قلب. لذلك أقدر أن أقول بأن معرفتي جيدة بالشيوعي العراقي ونضالاته وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وسأعمل على أن تكون ملاحظتي هذه والتي أطرحها هنا مُفيدة -على ما أظنّ- بشأن فقرة أرى أنها من المستحسن إضافتها إلى "النظام الداخلي للحزب الشيوعي".

كلنا يعلم بأنه مع دخول البشرية في الألفية الثالثة "تعولمت" وسائل الاتصال عبر الأقمار الصناعية من خلال البث التلفزي "الفضائيات" وشبكة المعلومات العالمية "الإنترنت" ومنصات التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستغرام وتيك توك، ولا ندري ما الجديد في قادم الأيام، لذلك لا بد من السعي الجاد والحثيث من أجل تطوير نمط خطاب جديد يبتعد عن الإيديولوجيا الخشبية الميتة، وأحسب أن النظام الداخلي البيان أو العنوان العريض أو "الدستور" أو لنقل الصورة التي يطمح الحزب إلى بثها وتقديمها للناس حتى يلقى القبول من فئة عمرية مهمة هي فئة الشباب. وفي اعتقادي هي صورة من واجبنا أن نجعلها جذابة لهذا الجيل من الشباب الثائر الذي أثبت فعالية عالية في ميادين وساحات الاحتجاج، وقدّم مبادرات طيبة وبديعة من أشكال النضال، وقدّم أيضاً الشهداء في سبيل مستقبل أفضل.

لذلك أرى ومن خلال سعينا لرد الاعتبار إلى مفاهيمنا الشيوعية الأساسية والتي أصابها -في ظني- التحجر والجمود العقائدي وأصبحت كما نقول في الشمال السوري: "حطب في قطرميز" أن نفسح المجال لجيل شاب مؤمن بفكر مناضل. ولا بد هنا من ردّ الاعتبار لنضال الشيوعيين من خلال ما عمل عليه ماركس وإنجلز في "الأيديولوجيا الألمانية"، حيث كتبا "ليست الشيوعية بالنسبة إلينا وضعًا ينبغي بناؤه، ومثلاً أعلى ينبغي أن ينحو الواقعُ باتجاهه. نعني بالشيوعية الحركة الواقعية التي تتجاوز الظروف الموجودة".

فريديريك لوردون، يعتقد أن الشيوعية هي وحدها التي يمكن أن تنقذ العالم وتقضي على كل أشكال التفاوت، أو تحدّ منه على الأقلّ

ملاحظة مهمة ومُلفتة للنظر لاحظتها وأنا أتأمل صورة ملونة ملتقطة لحشد من الأمناء العامين وأعضاء من المكاتب السياسية واللجان المركزية لاجتماع مشترك بين الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية عُقد في اليونان في الأمس القريب، فقد لاحظتُ أن هذا الحشد في سن الشيخوخة -وقد رفعت منظمة الصحة العالمية سن الشباب إلى 65 عاماً- ولكن أغلب أمناء الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية فوق سن الشباب هذا، ولفت نظري أيضاً غياب النساء عن قيادة هذه الأحزاب، وتساءلتُ في سري ما السر في هذا الغياب المستمر للنساء والشباب في قيادة هذه الأحزاب؟ من هُنا فكرتُ أن تُدرج فقرة في النظام الداخلي يُحدد من خلالها عمر المرشح لعضوية اللجنة المركزية والتي يُنتخب منها المكتب السياسي ومن ثمَّ الأمين العام وألا يزيد عمر عضو اللجنة المركزية عن الخمسين عاماً مهما كانت الأسباب. وتسقط عضويته في اللجنة المركزية عند بلوغه الستين من العمر، عمر التقاعد الوظيفي في أغلب دول العالم. ألا يحق لنا أن نطالب بلجنة مركزية يغلب عليها الطابع الشبابي كي تقود هذا النضال الصعب والمعقد إلى أبعد حدود التعقيد في الأيام القادمة؟

المفكر وعالم الاقتصاد الفرنسي فريديريك لوردون يعتقد أن الشيوعية هي وحدها التي يمكن أن تنقذ العالم وتقضي على كل أشكال التفاوت، أو تحدّ منه على الأقلّ. وفي رأيه أننا لن نستطيع إنقاذ الأرض ومن عليها إذا تواصل هذا النظام الرأسمالي، ومن ثَمّ لا بدّ من العمل على ترغيب الناس في الشيوعية، أول قول: المشاعية، وبذلك لا بد من العودة إلى كارل ماركس وفلسفته التي سعى من خلالها ليس لتفسير العالم فحسب بل لتغييره أيضاً.

أمنية أخيرة آمل أخذها بعين الاعتبار وستقرب -على ما أحسب- الشيوعي من الناس أكثر، وليتهم ينتبهون لهذا الأمر وهو أن تتحول صيغة ما يُعرف بالنظام الداخلي للحزب الشيوعي إلى صيغة أخرى أكثر قرباً من الجماهير الغفيرة تشبه في نصها وموادها "الدستور" الدائم للدول والذي لا يقبل التغيير، وبعض دساتير الدول عمرها أزيد من مئة عام. لأن مفهوم الدستور أشمل وأكثر وضوحاً وقبولاً في الأذهان. صيغة "دستور الحزب الشيوعي" أكثر ملاءمة اليوم من صيغة "النظام الداخلي للحزب الشيوعي" والذي تعتمده أغلب الأحزاب الشيوعية، وهي صيغة أعتقد أن الزمان تجاوزها، لذلك علينا أن نقترح صيغة أكثر جذباً للجمهور.