ذو الوجه القبيح الممتع (1/3)

ذو الوجه القبيح الممتع (1/3)

22 نوفمبر 2021
+ الخط -

لا أظن أن هناك نجاحاً فنياً يمكن أن يطلبه صانع عمل تلفزيوني، أكثر من أن يظل ملايين المشاهدين ينتظرون عرض عمله لمدة سنة كاملة، بعد أن أحبوا جزءه الأول وارتبطوا بأحداثه وبشخصياته، وحين يأتي موعد عرض الجزء التالي من العمل، لا يكتفون وهم يشاهدون أحداثه بالتساؤل عما سيحدث لشخصيات المسلسل في هذا الجزء، بل يتساءلون أيضا بشغف: هل يمكن أن يتم عرض الجزء الذي يليه من المسلسل بشكل أسرع، لكيلا يظلوا في انتظاره سنة كاملة؟ وحين يصلون إلى نهاية أحداثه ويبدو جلياً أنهم سيودعونه إلى الأبد، يظلون في انتظار معجزة تعيده إلى الشاشات من جديد بأي شكل؟

مثلما حدث هذا لملايين المشاهدين عبر العالم، حدث لي مع كل موسم من مواسم مسلسل House of cards الذي استطاع منذ أول موسم أن يرقى إلى مستوى أعمال تلفزيونية كبيرة جمعت بين التشويق والعمق والإبداع في رسم الشخصيات والنظرة الخاصة والمركبة للحياة، أعمال مثل " Sopranos" و "Breaking Bad"، و "The Wire"، التي لم تكن مجرد أعمال للتسلية العابرة، بل أصبحت جزءاً من حياة مشاهديها، وجزءا من الذاكرة الجمعية الفنية التي يشترك فيها ملايين المشاهدين عبر العالم بأكمله، وليس فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، لتصدر حولها وعنها عشرات الدراسات العلمية، التي تحلل علاقة المشاهدين بها، وتربطها بتطور الإبداع الفني والأدبي عبر المسيرة الإنسانية، وترصد مدى تأثرها بتلك المسيرة وتأثيرها فيها.

تدور أحداث مسلسل House of cards بمواسمه الستة في أجواء الطبقة السياسية الحاكمة الأمريكية، حيث يروي رحلة صعود وهبوط السياسي الأمريكي فرانك أندروود وزوجته كلير، كثنائي سياسي مثير للدهشة والتأمل، منذ بدأت رحلتهما في الولاية الجنوبية التي ينتميان إليها، وحتى وصلا إلى مقعد أقوى رجل في العالم، راصداً تطورات علاقة الاثنين ببعضهما، وقدرتهما على إفادة بعضهما البعض، ومساعدتهما لبعضهما من الإفلات من الأزمات التي تهددهما، إلى أن يصبح وجودهما معا أزمة في حد ذاته لكليهما.

ومع أن تقديم شخصية الرئيس الأمريكي بعلاقاته العاطفية بل والجنسية السوية أو المنحرفة، أصبح مألوفاً في أعمال تلفزيونية كثيرة في السنوات الأخيرة، بعد أن سبقت السينما إلى تقديمه، نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، عملاً فائق النجاح الجماهيري، تزامن مع مسلسل "هاوس أوف كاردز"، هو مسلسل "فضيحة Scandal" والذي لعبت بطولته النجمة كيري واشنطن، إلا أن مسلسل "هاوس أوف كاردز" لا يعتمد فقط على التشويق البوليسي كمسلسل "سكاندال"، بل يستخدمه كأداة لرصد ما هو أبعد حتى من تناقضات الحياة السياسية الأمريكية وقيامها على الكذب والخداع واستغلال النفوذ، كما هو عادة الحياة السياسية بشكل عام.

مع أن شبكة Netflix المنتجة للنسخة الأمريكية للعمل، والتي قررت أن تخوض به تجربة العرض عبر وسيط الإنترنت فقط من خلال منصتها، حرصت على الاستفادة من كل ما قدمه الكاتبان المخضرمان أندرو ديفيز ومايكل دوبس في أعمالهما الثلاث

طيلة مشاهدتنا لمواسم المسلسل نرى كيف يتم تشريح تناقضات الإنسان في الحياة الدنيا، وقدرته المدهشة على الجمع بين التناقضات، وأن يكون محبا عاشقا وقاتلا محترفا وماجنا داعرا وعطوفا محسنا في وقت واحد، ومن هنا اكتسب هذا العمل قدرته التي أدهشت مشاهديه من أنفسهم، حين وجدوا أنفسهم ـ كما عبر كثيرون منهم في تعليقاته على المسلسل في مواقع التواصل الاجتماعي ـ يتعاطفون بشكل ما مع شخصية مثل شخصية فرانك أندروود ترتكب أفعالا في منتهى القبح والخسة، ومع ذلك فقد تمت طريقة تقديم ارتكاب هذه الشخصيات، بشكل أبعد عن الإدانة السطحية التي تعودت عليها الأعمال الفنية المتأثرة بالتطبيق السطحي لنظرية التطهير الأرسطي الشهيرة، التي تفترض أن الدراما يجب إذا قدمت شخصيات شريرة أن تقوم بمعاقبتها وإدانتها، ولذلك أصبحنا كمشاهدين نشعر بالخجل من أنفسنا، حين نفاجأ أحياناً بأننا نتمنى لفرانك أندروود أن يفلت من المآزق التي يتعرض لها بسبب جرائمه، ليس لأن العمل لا يقدمه كشرير في مواجهة أخيار، بل يقدمه كإنسان في مواجهة أناس آخرين، لدى كل منهم تناقضاته وأخطاؤه وعيوبه ومميزاته أيضا، ولذلك فنحن في النهاية لا نحب فرانك، ولا نبرر أخطاءه، بل نرى فيه مآزق حياتنا المعقدة في هذه الورطة المسماة بالحياة، وهو ما لا ينطبق على فرانك فقط، بل وعلى الشخصيات المحيطة به، سواءً كانت زوجته التي تعاني من ماض أليم ملتبس، أو حتى مساعده الذي يتحول إلى قاتل أجير تكون نقطة ضعفه أنه وقع في الحب، والعاهرة التي أحبها التي تتحول مع تطورات الأحداث إلى شخصية ملحمية نشعر أنها أشرف من كل السياسيين الذين لا يكفون عن التغني بالشعارات الكبرى.

كل هذا اعتمد فيه المسلسل الأمريكي على خلفية درامية قوية، قدمتها الدراما البريطانية من قبل في تسعينات القرن الماضي، في ثلاثة مسلسلات تلفزيونية قصيرة أنتجتها محطة BBC الأشهر والأعرق، وكتبها السيناريست البريطاني المتميز أندرو ديفيز، وكلها مأخوذة عن بعض روايات الكاتب البريطاني مايكل دوبس، التي تحكي سيرة السياسي البريطاني فرانسيس أوركوهارت، وهي على التوالي "هاوس أوف كاردز ـ لكي تكون ملكا ـ المشهد الأخير"، يتكون كل منها من أربع حلقات فقط، وقد أذيع جزءها الأول في 1990، والثاني في 1993، والثالث والأخير في 1995، ونرى في الأجزاء الثلاثة كيف بدأ فرانسيس مطاردة طموحه السياسي بعد استقالة مارجريت تاتشر، حتى وصل في الجزء الأخير إلى أعلى منصب سياسي بريطاني وهو منصب رئيس الوزراء، محاولاً تحقيق الخلود لنفسه بحل أزمة قبرص شديدة التعقيد، ليختم بذلك حياته السياسية المليئة بالأسرار، والتي لن يسره أن يعرفها الناس أبدا.

ومع أن شبكة Netflix المنتجة للنسخة الأمريكية للعمل، والتي قررت أن تخوض به تجربة العرض عبر وسيط الإنترنت فقط من خلال منصتها، حرصت على الاستفادة من كل ما قدمه الكاتبان المخضرمان أندرو ديفيز ومايكل دوبس في أعمالهما الثلاثة، وحفظت لهما دور المنتج التنفيذي للعمل تقديراً لإبداعهما، إلا أنها لجأت إلى كاتب شاب هو بيو ويليمون، الذي لم يكن قد أنجز من قبل سوى فيلم واحد في 2011 هو فيلم "The Ides of March"، الذي لعب بطولته النجمان جورج كلوني ورايان جوزلينج، وكان مشتركاً مع جورج كلوني وجرانت هيسلوف في كتابة الفيلم المأخوذ عن مسرحية له بعنوان "شمال فاراجوت"، وبالفعل كان اختياره لكتابة هذا العمل صائبا تماما، لأن فيلمه الأول كان ينبئ عن خلفية درامية غنية، وموقف إنساني كاشف لفساد الطبقة السياسية الأمريكية، ليُسند إليه ـ ما أطلق عليه في التيترات عن حق ـ إعادة خلق أفكار ديفيز ودوبس، لتقديمها في قالب أمريكي، جعلها منفصلة عن تفاصيل النسخة البريطانية، ومتوافقة فقط مع روحها الدرامية، وأفكارها الإنسانية المنحازة ضد نفاق السياسيين ودجلهم، ولكن في قالب أكثر تعقيدا وثراءً.

ولكي تتحقق هذه النتيجة، تمت الاستعانة بفريق من الكتاب بلغ عدده 14 كاتبا، عملوا تحت إدارة بيو، وتفاوتت مساهماتهم في كتابة الحلقات ما بين كتابة حلقة أو حلقتين، وصولا إلى الكاتبة كيت بارناو التي سبق لها المشاركة في مسلسل (True Blood) والتي شاركت في كتابة 11 حلقة، وهو نفس الرقم الذي شارك به الكاتب الشاب سام فورمان الذي بدأ حياته كممثل، وبالطبع كان لا بد لكي يشارك كل هذا العدد من الكتاب في كتابة العمل دون أن يحدث تضارب في الكتابة، أن يتم أولاً رسم الشخصيات بشكل متقن، لا يترك مجالا لأن تتصرف شخصية خلال تطورات الأحداث بشكل يتناقض مع تكوينها، في نفس الوقت الذي تتفاعل فيه الشخصيات مع تطورات الأحداث، فتظهر لنا فيها أحيانا جوانب يدهشنا وجودها فيها، فلا نشعر مع مرور حلقات المسلسل ومواسمه أننا نشاهد شخصيات مكررة تتصرف داخل قوالب محددة لها سلفا، ليتفوق العمل على مسلسل رائع سبقه إلى اللعب في مجال تقديم الشخصيات السياسية المركبة، وهو مسلسل "BOSS" الذي لم يحقق نفس النجاح والشهرة حين ظهر في عام 2011، ولم يستمر سوى موسمين فقط كل منهما مكون من تسع حلقات، حيث قدم فيه الممثل القدير كيلسي جرامر تجسيدا مدهشا لدور عمدة مدينة شيكاغو، حصل به على جائزة جولدن جلوب لأحسن ممثل.

...

نكمل غداً بإذن الله