ذكريات عن راحل عزيز

ذكريات عن راحل عزيز

21 نوفمبر 2021
+ الخط -

لا شكَّ في أنَّ الفقد، بمفهومه العام، من أصعب الحالات التي يمكن أن يكون لها أثرها العكسي على طابع الحياة التي نعيش، فكيف إذا كان الفقيد من أعزّ الأعزّاء، ومن الأصدقاء الأكثر قرباً ومحبةً إلى القلب.

إنَّ العلاقة التي تربطني مع صديقي وأخي عبد الكريم النعيمي (الشواخ) ليست وليدة اللحظة وإنما تعود إلى أيام الزمن الجميل، إلى ما يزيد عن خمسة وثلاثين عاماً ونيّفاً حيث عشنا أيامها بحلوها ومرها، وتزامن ذلك على مقاعد الدراسة الأولى، في المرحلة الإعدادية على وجه التحقيق.

خبر انتقال أخي وصديقي (عبد الكريم النعيمي - أبو إبراهيم) إلى الرفيق الأعلى كان وقعه علينا كالصاعقة، نحن الذين عرفناه بطبعه وبوفائه وبقلبه الكبير المحب والمخلص للجميع.

وفاة من نوع آخر، وبطعم العلقم شربنا كأسها رغماً عنا، هكذا.. مفاجأة الموت كانت قاسية على كل من عرف هذه القامة المتواضعة، وهو الإنسان البريء كطفل ما زال في سنّ اليفاع.. في الغربة التي احتضنته وعاشها، ولأكثر من ثلاثين عاماً خارج أسوار مدينته الرَّقة التي عاش فيها طفولته وبعضاً من شبابه المزهر.. وكان يُمني النفس أن يقضي بقية عمره على ترابها الطاهر.

وقد سبق للمرحوم أبو إبراهيم أن مكث مطولاً في ديار الغربة التي عشقها يوماً، إلا أن قسوتها ظلت تؤلمه، مهما توافرت متطلبات الحياة واحتياجاتها.

البعد عن الأهل والخلّان والأحبّة والأصدقاء ترك في قلبه العطوف غصّة، وفي وجدانه أملاً، وفي لعابه ذكرى رغيف الصّاج الذي لم يتنكّر له أو يتناساه يوماً.

استوقفني خبر الوفاة الصدمة، في حينه، وهو الإنسان الذي كان دائماً وأبداً محباً للجميع، وهو الكريم في مواقفه، النبيل في تعامله، وأكثر ما يأسرك احترامه ووده للآخرين..

كان خجولاً، محبّاً للآخر، مقداماً، وإن أخفق جناحه يوماً في التحليق، إلا أنه ظل ينشر طيف المودة على زملائه، وهو الكريم في طبعه، السخي في عطائه.

وإن وقفت أمام هذه الصورة مطولاً، فإنَّ أخي وصديق طفولتي أبو شواخ يظل رمز المحبّة الخالصة والشهامة والكبرياء.. وحتى الأناقة التي لها مكانة خاصة في برنامج حياته، ولازمته منذ الصغر.

نجمه بقي مشعّاً، وسيظل كذلك، لأنه برز من بين أقرانه، مودعاً بالحب، وهو العاشق والمحب لهم، ولطالما سارع في لمّ شملهم، ورغبته الدائمة في الحفاظ على العيش المشترك معهم، وإيلاء الصداقة والأخوة جانباً مهماً من وقته لأنه يعشق أمثال هذه العلاقة التي يُعدها من أولى اهتماماته.

وهو لطالما فرح لفرح الآخر، وشارك في أحزانه، وحاول الاطمئنان عن أصدقائه باتصالاته المستمرة، ودفع الغالي والنفيس لإرضائهم.. كما أنَّ الأمر لا يخلو من عطاء عابر سبيل والإغداق عليه بما تيسّر من مقسوم، وهذه طبيعته التي جبل عليها. طيبته تجاوزت حدود المعقول، هكذا طبعه، وكبرياؤه لم يدنّسه بإيماءة جذبت رغبته، البار بوالديه، والمحمود السيرة بين أصدقائه.

أخي وصديقي الوفي أبو شواخ.. يظل بنظري صاحب فضل كبير. وسعادتنا ظلت تكبر بمحبته لنا، وإخلاصه لعلاقة استمرت أكثر من خمسةٍ وثلاثين ربيعاً. وكان الأمل معقوداً باللقاء به في بلد العزّ والإباء والفخار؛ سورية، بلد المحبة، والدموع التي ذرفتها العيون حزناً على الفراق يوماً، وسنوات الغربة التي لم تخلُ من صور الحزن والألم، فضلاً عن أنه كان يتواصل معي بصورة دائمة أثناء فترة إقامتي في الولايات المتحدة الأميركية، والاطمئنان عليّ، في الوقت الذي كان هناك العديد من الأصدقاء والمعارف وحتى الأقارب لم يخطر في بالهم الاتصال بي يوماً، وتنكرهم لأي خدمة سبق أن قمت بها تجاههم، أو حتى لمجرد السؤال، ومعرفة الحال التي أقضيها هناك، وإن كان ذلك لا يكلفهم شيئاً، إلا أن الصديق المحب أبو إبراهيم بطبيعته ونبل أخلاقه كان يُواظب على الاتصال بي والسؤال عن أحوالي التي أعيشها في بلاد الاغتراب باستمرار.

استوقفني خبر الوفاة الصدمة، في حينه، وهو الإنسان الذي كان دائماً وأبداً محباً للجميع، وهو الكريم في مواقفه، النبيل في تعامله، وأكثر ما يأسرك احترامه ووده للآخرين، وهو المضياف في طبعه، والوفي في خدماته الجليلة التي تبدأ ولا تنتهي.

هكذا هي الحياة، نسير على هداها، كما تريد أن تكون، لا كما نحب ونشتهي نحن. فالحياة بما فيها من ألوان مزركشة مفرحة، وأخرى كئيبة، وما تحمله من أضغاث أحلام، تودعنا بانتقال من كان يوماً رفيقاً وصديقاً وأخاً مودّاً وباراً بوالديه، وباذلاً الغالي والنفيس في سبيل رضاهما، وخدمة أخوته، ومد يد العون لهم في تشرّدهم وحاجتهم، ودعمهم مادياً، رغم ضيق ذات اليد، والحال البائس، والفقر المدقع الذي يعيشه في مكان إقامته!

وكان لا بد لصديقي عبد الكريم الشواخ أن يموت، كما لا بد لكل منّا أن يموت، إلّا أن الذي أحزننا هو أنه ما زال في ريعان الشباب، كما كان لا بد لنا من أن نحزن لمفارقته إيّانا، إلاّ أنَّ الذي يؤسينا، فوق الحزن الشديد، هو أن يفارق الحياة مجاهداً قدم ما في وسعه في خدمة أهله وأشقائه وأبنائه في غربته، بتقديم يد المساعدة لهم التي استمرت طويلاً، وهو بعيد عن أهله ووطنه.

رحم الله الصديق المنصف في تعامله، مع كل من عرفه عن قرب، لأنه ظل مثالاً يُحتذى في الود والمحبة الخالصة. رحم الله طيب الذكر أبو إبراهيم، بواسع رحمته ووسّع قبره وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.