ذكريات زنزانة

09 مارس 2025
+ الخط -

وسأل الضابط: "هل يعرف السجين عقوبته؟"

أجابه الضابط ببرود: "لا، سيختبرها بنفسه."

_ فرانز كافكا، في مستعمرة العقوبات

بهذه الكلمات القاسية، يلخص كافكا جوهر العقاب في الأنظمة القمعية، ليس مجرد سلبٍ للحرية، بل تجربة غامضة ومفتوحة على احتمالات من الألم والعزلة، حيث لا يُخبر الضحية بحجم معاناته إلا حين يعيشها بنفسه.

وهذا تمامًا ما عاشه أبطال الفيلم الأوروغوياني La noche de 12 años (ذكريات زنزانة) الذي يسرد القصة الحقيقية لثلاثة سجناء سياسيين خلال فترة الديكتاتورية العسكرية في أوروغواي (1973-1985). ثلاثة شبان لم يكونوا مجرد معتقلين وإنما أشخاص وضعوا في عالم صُمم خصيصًا لتجريدهم من إنسانيتهم، حيث لم يكن الهدف فقط سلب حريتهم، بل سلب قدرتهم على المقاومة، ليس بالسلاح، ولكن بالكلمة والفكر.

ما يميز فيلم ذكريات زنزانة ليس الإثارة أو حبكة الهروب التقليدية، بل بناءه البطيء الذي يعكس عزلة المسجونين المتصاعدة داخل زنازينهم. الصورة الأولى التي يلتقطها هي لحظة الاعتقال في ليلة خريفية باردة، ثلاثة شبان جميعهم ينتمون إلى حركة ثورية ضد النظام الديكتاتوري. لا يظهر الفيلم هؤلاء الشبان ضحايا فقط، بل أشخاص يقاومون آلة القمع بطريقة غير مرئية، من خلال أفكارهم، ومشاعرهم، وذكرياتهم، منذ اللحظة الأولى يدرك المشاهد أن السجن هنا ليس مجرد مكان، بل حالة وجودية تهدف إلى سحق الروح قبل الجسد.

يتجلى ذلك عندما وقعت عين أحد المسجونين على عبارة كتبت على جدار السجن: "يا من دخلت هنا، افقد الأمل". لم تأت هذه العبارة مجرد نقش، إنما تصريح مباشر لفلسفة القمع القائمة على تحطيم الإنسان من الداخل، يُمنع السجناء من التواصل مع بعضهم البعض أو حتى مع الحراس، يمنعون من كل شيء يربطهم بالحياة أو بالأمل، مما يجعل الزمن في الزنزانة بلا معنى، ويصبح الصمت أداة أخرى من أدوات القمع، ومحاولة لقتل الروح من خلال العزلة.

لطالما كان الخوف من الكلمة سمة مشتركة بين الأنظمة القمعية على مر التاريخ، ورغم أن الفيلم يتناول تجربة أميركا اللاتينية في السبعينيات، فإنه يضرب على وتر حساس لدى المشاهد العربي، حيث يبدو واقع الاعتقالات السياسية مألوفًا بشكل مؤلم. في مجتمعات تحكمها أنظمة لا تتسامح مع المعارضة، وقد يكون نشر تغريدة أو كتابة مقالة كافيًا ليجد شخص ما نفسه خلف القضبان، دون تهمة حقيقية سوى أن الأنظمة لا تتسامح مع أي شكل من أشكال التعبير.

إلا أن الفيلم لا يُسلط الضوء على خوف السلطة من الكلمة فقط بل يكشف جهلها العميق بمدى القوة الكامنة في الكلمات البسيطة التي يعتقدون أنهم قادرون على قمعها، في مشهد يستدعي التوقف، يتحدث أحد الحراس مع زميله عن فتاة يكنّ لها مشاعر لكنه لا يعرف كيف يعبر لها عن ذلك. يتدخل أحد السجناء، الذي يبدو أنه كاتب سابق، ويقترح عليه أن يكتب رسالة لها. فالعسكري الذي ينتمي إلى منظومة تستمد شرعيتها من القهر والسلاح، يجد نفسه هنا في لحظة مكاشفة مع ذاته، لا السلاح يمنحه القدرة على التعبير، ولا السلطة تمنحه القوة ليواجه مشاعره. وحدها الكلمة، التي احتقرها النظام وطمسها، هي ما تمدّه بجسر للتواصل مع الآخر. فيقترح السجين أن يكتب الرسالة ويوقعها باسمه. اللافت في هذا ليس فقط أن السجين هو من أهدى الجندي تلك اللحظة من الوعي، بل في الطريقة التي تعيد فيها الكلمات ترتيب التوازنات داخل المنظومة القمعية نفسها، فبعد نجاح رسالته، يجري منح السجناء طعامًا جيدًا، والسماح للمعتقلين بالخروج إلى ساحة الزنزانة لرؤية بعضهم البعض كامتنان عابر عن بلوغ هدفه، دون أن يغير هذا من جوهر السجن.

وهم العدالة..

لا يتوقف الفيلم في كشف وحشية الأنظمة القمعية من خلال التجويع والتعذيب الجسدي، بل أيضًا من خلال التلاعب بمؤسسات يُفترض أنها تدافع عن حقوق الإنسان. في أحد أكثر المشاهد رمزية تأتي لجنة من الصليب الأحمر لتقييم الأوضاع الإنسانية داخل السجن. فجأة يجري تنظيف الزنازين ويقدم الطعام، تُمنح الكتب، ويرتب كل شيء ليبدو وكأن المعتقلين يعيشون في ظروف مقبولة. لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك عندما يُستدعى السجناء للمثول أمام اللجنة، لا يُسمح لهم بالكلام. بمجرد أن يذكر أحدهم اسمه يأمره الضابط بالانصراف، وكأن وجودهم مجرد شكليات لا أكثر، لا يجري تقييم ظروفهم الحقيقية، ولا يُسمح لهم بالتحدث عن العذاب الذي يعيشونه.

الأم.. خط الدفاع الأخير في وجه الاستبداد

وسط كل هذا القمع، يظهر صوت آخر يقاوم، في إحدى اللحظات العاطفية المميزة في الفيلم، هي تلك التي تجمع بين السجين ووالدته. تدور بينهما محادثة فترى ابنها يكاد ينهار تحت وطأة العزلة، ترفض أن تقبل استسلامه. تصرخ قائلة: "إنهم يريدون أن يقودوك إلى الجنون، لا تسمح لهم بذلك! قاوم بكل طريقة تستطيعها، لا أحد يستطيع أن يأخذ ما بداخلك!" وعندما يجيبها الابن بصوت ضعيف: "لم أعد أعرف كيف أقاوم"، ترد الأم بحزم: "بل تعرف! المهزومون فقط من يتوقفون عن القتال. ستتخطى هذا وتمضي قدمًا، لا أحد سيأخذ ما بداخلك".

هذه الثيمة تتجاوز كونها حوارًا بين أم وابنها، بل تكشف عن البنية العميقة للصراع بين الاستبداد والروابط الإنسانية التي يحاول طمسها، حيث لا تكتفي هذه الأنظمة باعتقال الأفراد فقط، بل تسعى إلى تمزيق الروابط التي تمنحهم القوة.

وفي سياق واقع المعتقلين لدى سجون أغلب الأنظمة العربية تتكرر هذه المشاهد، إذ لا تقتصر معاناة الأمهات على رؤية أبنائهن في السجون، بل تمتد إلى البحث المضني عن أثر لهم، في ظل أنظمة تخفي المعتقلين قسرًا وتسعى إلى عزلهم عن أي إمداد إنساني، وتقوم بتحويل السجين إلى كائن وحيد ومنقطع، وتظل العائلة وخاصة الأم، خط الدفاع الأخير، للمطالبة أمام جدران الصمت عن مصير ولدها التي لا تعرف مكانه، ولا تهمته، ولا إن كان على قيد الحياة.

يختتم ألفارو بريشنر فيلمه ذكريات من زنزانة، بسرد بصري متقن، ينتقل عبر مشاهد مكثفة من العتمة الخانقة إلى ضوء الحرية المتوهج. إذ لا يقدم السجن كمكان مغلق فحسب، بل كحالة وجودية تختبر قدرة الإنسان على الصمود في مواجهة القمع، ورغم أن الفيلم يوثق تجربة من أميركا اللاتينية، فإن صداها يتردد بوضوح في بلدان عربية، حيث لا تزال السجون تمتلئ بمن جريمتهم الوحيدة هي الكلمة، فيُمارس الإخفاء القسري والتعذيب بصفتهما أدوات سياسية لإخماد أي صوت معارض، ويأتي فيلم بريشنر في مفارقة كبيرة تكمن في السينما العربية، نادرًا ما نجد أفلامًا تتناول السجون السياسية بشكل صريح. الخوف من الرقابة، القمع، والمنع يحدّ من قدرة المخرجين العرب على تناول هذه القضايا بجرأة. وهنا تكمن عبقرية المخرج بريشنر بأن السينما حين تتحرر من الخوف، تصبح أداة لكسر الصمت، قادرة على فضح ما تحاول الأنظمة طمسه، وعلى تذكيرنا بأن القمع، مهما بدا مطلقًا، لا يستطيع مصادرة الذاكرة أو إخماد الرغبة في الحرية.

مدون يمني
عبد الباري قاسم
كاتب يمني مهتم في السينما والأدب، حاصل على بكالوريوس إذاعة وتلفزيون من كلية الأدب في جامعة عدن.