دِيْبَكْ: سيرة سؤال وخبز تنور

01 يناير 2026
+ الخط -

دِيْبَكْ ليست مجرّد اسمٍ في ذاكرةٍ بعيدة، ولا مجرّد قرية كردية نائية (كمثيلاتها من آلاف القرى السورية المُهمّشة) يمكن الإشارة إليها على الخريطة ثم نسيانها. كانت، منذ البدء، تجربةً إنسانية وجودية مُكتملة بذاتها وبهُويّتها الكردية، مكاناً لا يمنح أبناءه إجاباتٍ جاهزة عن مفهوم الانتماء والوطن والاعتراف والمشاركة، بل يضعهم وجهاً لوجه أمام السؤال، نعم فقط السؤال. هناك، حيث تُولد الحياة بلا امتيازات إلهية أو دينية أو وطنية، يتعلّم الإنسان باكراً أنّ الوجود ليس معطًى مضموناً، بل عبءٌ جميل وثقيل، يُحمَل بصمت، ويُختبر كلّ يوم.

في ديبك، الطبيعة ليست صديقةً ولا خصماً، بل حضوراً صلباً يُذكّرك بحدودك الوجودية. الصيف ليس فصلاً بذاته مُستقلاً، بل شريكاً وجودياً، وأزلياً للخريف والشتاء والربيع، هو حالة جسدية ونفسية، حرارةٌ تتسلّل إلى الداخل، تجعل الجسد واعياً بنفسه إلى حدّ الإنهاك. الأرض ليست كريمة ولا بخيلة، هي عادلة بطريقتها القاسية، لا تعطي إلا لمن ينحني طويلاً أمام سنابل القمح، ولمن يشرب أُجاج الماء مع شتلات القطن، ولا تكافئ إلا الصبر والنسيان والقناعةهناك فهمنا أنّ "خبز التنور" ليس نتيجةً نهائية أو جاهزة كمفهوم الخلق في المعتقدات، بل أثر تعبٍ وعناء مُتراكم، وأنّ البقاء فعل مقاومة يوميّة تشبه الصلاة الصامتة.

غير أنّ قسوة الطبيعة والمكان لم تكن وحدها ما يصوغ الوعي، ويلوي عنق الطاعة والرضى، بل كان القدر الهُويّاتي والانتماء القومي شريكاً لهاالظروف السياسية لم تكن جوهرية في القرية بقدر ما كانت تحيط بها من الخارج، من المدن القريبة، وفي الدوائر والإدارات التي نلجأ لها، مضطرين لإثبات وجودنا كمنتمين فائضين في قاموس ديموغرافيا الجمهورية العربية السورية. هناك، خارج دِيْبَكْ، كان الاحتكاك بالدولة موسمياً وثقيلاً كفصل الصيف، وكانت اللغة والاسم والأوراق الرسمية تتحوّل إلى امتحان وجودي. داخل القرية كنا نعيش حياتنا البسيطة، حياة الجماعة والقرابة والقبيلة بعاداتها ونمط امتدادها التاريخي.

أما ثقل السلطة فكان ينتظرنا عند العبور إلى المدينة. ثمّة ثقلٌ آخر، أقلّ وضوحاً وأكثر عمقاً، يتمثّل في العيش خارج الاعتراف. أن تكبر في قريةٍ مهمّشة يعني أن تتشكّل ذاتك في الفراغ، في المسافة بين ما أنت عليه، وما يُسمَح لك أن تكونه. لم يكن إرهاب الدولة وأجهزتها الاستخباراتية حدثاً صاخباً دائماً، بل حضوراً خافتاً، يتسلّل إلى اللغة، إلى الخوف، إلى طريقة المشي والكلام. الخوف لم يكن طارئاً، بل مناخاً داخلياً، جزءاً من تكوين الإنسان.

في ديبك، الطبيعة ليست صديقةً ولا خصماً، بل حضوراً صلباً يذكّرك بحدودك الوجودية

أن تكون مختلفاً، لغةً وعرقاً، لم يكن مجرّد وصف، بل تجربة مُعاشة. اللغة التي نتحدّث بها في البيوت كانت أكثر من أصوات، كانت ذاكرةً، ودفئاً، وشعوراً بالأمان. وحين طُلب منها أن تصمت في المدارس ومؤسّسات الوطن، لم يكن الصمت تربوياً، بل وجودياً. الطفل الذي يُمنع من لغته، يتعلّم من دون أن يُقال له أنّ جزءاً منه غير مرغوب فيه. وهكذا، يكبر وهو يحمل شعوراً غامضاً بالذنب، كأنّ الاختلاف خطيئة غير مُعلنة.

في هذا السياق، لم يكن الانتماء أمراً بسيطاً. الوطن اسمٌ نسمعه، لكننا لا نلمسه. نشعر أننا نعيش داخله، لكننا لسنا منه تماماً. أن تكون بلا جنسية، أو بجنسية منقوصة المعنى، هو أن تعيش على هامش القانون، وأن تختبر هشاشتك في أبسط التفاصيل؛ ورقة، ختم، توقيع. الدولة، في هذه التجربة، لم تكن فكرةً جامعة، بل جهازاً يدير نفسه أكثر من إدارة الشعب، يُذكّرك دوماً بأنك قابل للإقصاء، وبأنّ وجودك مشروط بالصمت والتكيّف.

أن تكبر في قريةٍ مهمّشة يعني أن تتشكّل ذاتك في الفراغ، في المسافة بين ما أنت عليه، وما يُسمَح لك أن تكونه

ومع ذلك، لم تكن دِيْبَكْ مكاناً لليأس. في عمق هذه القسوة، نشأت قدرةٌ غريبة على الاحتمال. التمسّك بالأرض لم يكن تعلّقاً رومانسياً، بل إحساساً بأنّ الاقتلاع يعني فقداناً لمعنى الوجود، لمعنى الكرامة ككائن بيولوجي واع. الأرض لم تكن ملكيةً، بل امتداداً للذات، للأنا، هي جذور وذاكرة مشتركة تحفظ أسماء من عاشوا عليها ومن مرّوا بها، ومن تعبوا، ومن بقوا. الرحيل، حين حدث، لم يكن اختياراً حرّاً، بل نتيجة ضغطٍ طويل، وحين وصلنا إلى أماكن أخرى، اكتشفنا أنّ الغربة ليست في البعد، بل في العيش بلا اعتراف، بلا شراكة، بلا عدالة، بلا مساواة، وأنت على أرضك وتحمل صكوك وجودك، وانتماءك وحقّك لها.

كبرتُ وأنا أحملها في داخلي، لا بوصفها حنيناً مرهفاً وناعماً، بل وعياً يقظاً. صرتُ أرى تناقضاتها بوضوح؛ قسوتها ودفئها، صمتها وقدرتها على الكلام من تحت الركام. أدركتُ أنّ ما سُمّي جهلاً وغياباً للوعي لم يكن إلا أثر حرمانٍ طويل، وأنّ ما بدا خضوعاً مزيّفاً كان في جوهره محاولةً للبقاء. في هذه القرية تعلّمت أنّ الإنسان قد يُجرَّد من الكثير، لكن يصعب انتزاع قدرته على إثبات هُويّته الوجودية ومعنى انتمائه للحياة.

الإنسان قد يُجرَّد من الكثير، لكن يصعب انتزاع قدرته على إثبات هُويّته الوجودية ومعنى انتمائه للحياة

دِيْبَكْ لم تعلّمني كيف أجيب، بل كيف أحتمل السؤال. علّمتني أنّ الهُويّة ليست تعريفاً ثابتاً، بل تجربة تُعاش، وأنّ الوجود لا يُقاس بما نملكه، بل بما نصمد فيه. كلّ هذا الشكّ الذي يسكنني، وكلّ هذا الميل إلى التفكير خارج المسلّمات، والحسّ المُشترك العام، له جذوره هناك، في تلك الأرض التي جعلت الوجود شأناً شخصياً، لا فكرةً مجرّدة.

لهذا، حين أعود إليها في الذاكرة، لا أفعل ذلك بوصفه استدعاء للماضي فقط، ولا محاولة لترميم حنين مكسور. أعود لأنّ الحاضر، مهما اتّسعت أمكنته، يظلّ ناقصاً من دون تلك النقطة الأولى. دِيْبَكْ ليست محطّة انتهت، بل مساراً بدأ هناك وما زال يتشكّل. هي المكان الذي تعلّمت فيه أنّ العيش لا يعني الاطمئنان، وأنّ معنى الوجود لا يُمنح، بل يُنتزع بهدوء.

ما بقي منها في داخلي ليس صورة مكتملة، بل أثر، طريقة في النظر، وفي الشك، وفي التعامل مع العالم من دون أوهام كبرى. هناك، في قريتي الصغيرة، فهمت أنّ الإنسان قد يكون ضعيفاً، مهمّشاً، ومحاطاً بالصمت والقلق ورعب العقاب الالهي والسياسي، ومع ذلك يظلّ قادراً على أن يصنع علاقة صادقة مع وجوده. وربما هذا وحده ما يمكن التعويل عليه.

دِيْبَكْ، قريتي، لم تمنحني يقيناً، لكنها منحتني قدرة نادرة على السير من دون ضمانات، وعلى الإصغاء إلى السؤال وهو يتبدّل ولا يختفي. وما دام السؤال حيّاً، فإنّ الطريق، مهما بدا مُعتماً، يظلّ مفتوحاً.

هامش: دِيْبَكْ: قرية كردية في أقصى شمال شرق سورية، والتي ينحدر منها كاتب هذه السطور