دموع ميسي على قمّة المجد الزلقة

22 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 20:03 (توقيت القدس)
+ الخط -

دموع ميسي في الملعب كانت مرّة جديدة من أغلى الدموع في تاريخ كرة القدم، وربّما التاريخ كلّه. قِيل قبل سنوات إنّ أحد الأثرياء اشترى بمبلغ خياليّ المنديل الورقيّ الذي مسح به ميسي دموعه، تلك الدموع التي انهمرت في مناسبة مغادرته نادي برشلونة الإسباني بشكل لا يليق بتاريخه في النادي ولا يليق بالأندية ولا تاريخ الانتقالات الرياضيّة. قال ليو يومذاك ما معناه إنّ وداعه لناديه يجب أن يكون في الملعب ومع الجماهير. المنديل الذي التقط دموع "أيقونة كرة القدم" استحقّ ثروة، ولكنّها تُعتبر اليوم سخيفة أمام كلفة دموع اللاعب الأرجنتيني إثر خسارته كأس العالم 2026. بكى صاحب أغلى الألقاب وأعلى الأجور وأكثر الأهداف وأجملها، بكى اللاعب الذي يُجمع كثيرون على أنّه الأكثر موهبة في كرة القدم، الذي يرتفع سعر بطاقة مباراة يلعب فيها أضعافاً مُضاعفة. بكى ولكن لم يكن هناك منديل يلتقط دموعه، بل كانت الجماهير التي تمنّى دوماً أن يكون معها. وكانت هناك الشاشات! أكبرها وأكثرها جشعاً وتعطّشاً للنجم الأيقونة وكلّ ما يبدر عنه، تحديداً دموعه. الشاشات تعشق الدموع، كما يعشق ميسي كرة القدم، كما يعشقه جمهوره. بكى ميسي أمام ملايين المُحبّين المُتلهّفين لتلقّف رأسه ومسح دموعه، المُحبّذين لو كانت دموعاً أقلّ حرقة وألماً وانكساراً للاعب استثنائي تمسّك بالوقوف على قمّة المجد من دون أن يقدّر كم هي زلقة!

سهلة كانت طريق الفريق الأرجنتيني بقيادة ميسي، مع الوفير من الحظّ والكثير من التساهل التحكيمي نحو النهائي. وكان أصحاب الفكر المؤامراتي مُتوهّمين أنّ الأرجنتين ستُمنح الكأس، ولكن ما ثبت أنّ "الصفقة" نصّت على إيصال هذا المنتخب بالذات إلى النهائي من دون حسبانٍ لمن سيحمل الكأس، فإنْ كسب ميسي ستكون ضحكاته واحتفالاته ودموع فرحه ثمينة ومُربحة كما هي دموع حزنه وخيبته. كلّ القطاعات الربحية- مستثمِرةً ومستغلّة ومراهنةً- في فعالية "كأس العالم لكرة القدم" جنت ما حلمت به وخطّطت له من أرباح، ويمكنها الآن أن تطلق سراح "بطلها" وتسمح له بالاعتزال، كما يتمنّى من يقدّره. 

الخيارات تخذل الإنسان، وخيار ميسي خذله، إنه إنسان قبل أن يكون معجزة ويصير أيقونة

أعلن ميسي قبل نهائي قطر 2022 أنّه سيعتزل اللعب الدوليّ، ولكن بعد فوزه بالكأس عاد عن قراره، والحقّ أنّي حين رأيت دموعه قبل أيّام تمنّيت- وربما تمنّى كثيرون مثلي- لو أنّه اعتزل بالفعل. هل كانت تلك اللحظة من الخسارة والهزيمة والانكسار تستحقّ الأموال الطائلة بالنسبة للاعبٍ تقارب ثروته المليار دولار؟ هل كانت تستحقّ دموعه تلك؟ ربّما ليس أثرى من دموع ليو إلا من باعوها وراحوا يصفّقون. وهو، ميسي، واحد من هؤلاء الباعة. فقد كان يعرف خطّتهم، هو الذي ترعرع في سوق العرض والطلب الرياضي، وسوق البيع والشراء والرهانات، منذ طفولته. لقد قبل الرهان. على مشارف الأربعين من العمر، لياقته ليست كما كانت قبل أربعة أعوام، فريقه ليس في أفضل حالاته، تعادل مع فريق الرأس الأخضر الذي يلعب لأوّل مرّة في "كأس العالم"، ولم يستحقّ الفوز على المنتخب المصري الذي أجمعت شهادات دولية على أنّ الطاقم التحكيمي ظلمه ظلماً بيّناً، ولا استحقّ الفوز على المنتخب السويسري. كان يعرف أنّ المنتخب الأرجنتيني لن يفوز إلا بمعجزة وربّما صدّق أنّه "المعجزة"، وهذا لقب استحقّه أيضاً منذ الطفولة. 

الاعتزال بعد تحقيق أعلى لقب وأقصى إنجاز هو أفضل ما يحدث لبيادق الرياضة. لكنّ المراهنين والمستثمرين وقادة الأعمال لن يتخلّوا عن البيدق الأقوى بسهولة، لن يتركوا البقرة الحلوب قبل أن يجفّ ضرعها تماماً. فلماذا قبِل ميسي أن يلعب؟ لأنّه سيجني ثروة؟ لأنّ وحوش المال والاستثمار والمُراهنات وسوق البطاقات السوداء ضغطوا عليه أو أغروه أو تحدّوه؟ لأنّ القناعة ليست من شيمه؟ لأنّ الطموح والشغف باللعبة يتملّكان قلبه؟ لأنّه لا يخشى الهزيمة؟ الخيارات تخذل الإنسان، وخيار ميسي خذله، إنه إنسان قبل أن يكون معجزة ويصير أيقونة.  

ربّما كانت دموع ميسي دموع الندم أو الخذلان أو التسليم بالخسارة، وربّما كانت فقط دموع الوداع. ما سيشغلني طويلاً هو كيف أنّ اللاعب الأمهر في تخطّي العوائق والأدهى في المناورة فشل في تخطّي الجشع ومناورة المكابرة وقبِل أن يصير هدفاً في شباك من خدعوه.