دروس من حرائق الجزائر.. نحو استدامة القيم

02 سبتمبر 2026
+ الخط -

"القيمة تحمل على الاندفاع  l’élan، فهي تسمو بنا وتحملنا، وتبتعد بنا عن اللامبالاة التي تظهر عند الإنسان الذي لا يحس بها ولا يجرّبها".
(الربيع ميمون، مفكّر جزائري من جيجل).

لعلّ ما يحدث أمام مرآنا ومسامعنا، من حرائق تحدث في الجزائر أو حدثت، يحتّم علينا تجديد النظر إلى مسألة القيم من حيث استدامتها. فقد أبان الإنسان الجزائري (خلال استجابته للحرائق) عن سمات تراحمية عميقة، وفي مقدّمتها قيم التراحم والتواصل والمعاونة والمواساة وبثّ الشعور العام بضرورة الكينونة في يد واحدة، وحدث هذا الفعل من منطلق قيمي أخلاقي تراحمي خالص، بمعنى لم تؤطّره مؤسسات أو توجيهات مدنية، ليس لأنّ هذه المؤسسات تأخرت أو انعزلت، بل لأنّ الشعور بالقيمة إذا تملّك الوجدان لم يقف أمامه شيء، لا يحتاج إلى استئذان أو مشاورة، بل يكون الفعل انطلاقًا من الحافز الذاتي والرغبة في صرف الألم عن الآخر الذي حاصرته النيران وأكلت ممتلكاته المادية والحيوانية، ولذلك قال الشاعر والروائي الفرنسي بيير كورناي إنّ "القيمة لا تنتظر عدد السنين".

وهذا سرّ مركزية القيم في الذات الإنسانية، إنّها تنبعث مثل تلك المياه الجوفية التي تخرج من عمق الأرض نحو الأعلى، لكي يتم في ما بعد تنظيمها في السقي، بما يجعل من تلك المياه مُستدامة ومُفيدة على مدار الوقت كلّه، وليس فقط نفرح بها لأنّها خرجت بقوّة من باطن الأرض. فالعبرة ليست في تدفّق الماء، بل في التوجيه بما يسقي الأرض وينبت الزرع ويفيد الإنسان؛ لأجل ذلك يمكن الإقرار بأنّ عالم القيم شبيه بعالم الماء، يحتاج أيضًا إلى الاستثمار في تدفّقاته القوية وتملّكه للوجدان النفسي، بخاصة في لحظة اندفاع الفعل، لكنّ الأمر الأكثر قيمة هو استثبات هذه القيم في مجرى الاجتماع الإنساني، بحيث تستحيل إلى ثمرات تربوية تتجلّى في الوعي وفي السلوك وبصورة مُستدامة.

 لا يحتاج الشعور بالقيمة إذا تملّك الوجدان إلى استئذان أو مشاورة

إنّ المعاني الكبرى التي طالعتنا بها مظاهر التراحم والتضامن والمواساة في حرائق الجزائر من عمق المجتمع، هي علامة أو عرض على عمق التكوين القيمي في الثقافة الجزائرية، وعلى أنّ القيم في حدّ ذاتها هي المحرّك العميق للسلوك الإنساني بمعزل عن المصالح الفردية. والقصد هنا، القيم الروحية التي تتغذّى على المرجعية الدينية وعلى وحدة الانتماء: من الوطني إلى الإنساني. ومن هنا تبدو نظريات المنفعة والواجب والفضيلة محدودة عندما نفسّر سلوك المواطن الجزائري التراحمي أو التضامني في استجابته للحرائق التي أصابت بلده. فما هي منفعة من يخرج من بيته مهاجرًا بالإعانات إلى من أصابتهم الحرائق، قادمًا من أقصى الجنوب الجزائري في قوافل التضامن إلى الولايات الشرقية (2.200 كلم)؟ كما أنّ الواجب العقلي عاجز هو الآخر عن تفسير السلوكات التراحمية، لأنّ دافعية القيم أقوى من التبريرات العقلية، وهكذا بقية النظريات المحدودة في تبريرها لما يمكن أن نطلق عليه: فائض التراحم أو التضامن.

لنقل إذن، بأنّ قوّة الأفعال آتية من قوّة الأثر الكبير للقيم على السلوك الإنساني، والشيء الذي نستخلصه من هذه الحقيقة البائنة، هو تحويل هذه الطاقة الروحية إلى أفعال مستدامة، فلا يكفي أن نرى الحرائق والآلام حتى نتحرّك، بل علينا في القادم، نشر أخلاق البيئة وتطبيقها في السلوك، فتنظيف الغابات والسؤال عن ساكنيها والإعانة الدائمة لهم ولو ببساطة، والعناية والمسؤولية المشتركة والرعاية والمشاركة، وكذا تطوير منظومة مراقبة الغابات وغيرها من القيم العملية، هي الموانع التي تحفظ للمكان دوره الصحي والجمالي، وتحفظ للإنسان كرامته وقدره الأخلاقي.

عبد الرزاق بلعقروز
عبد الرزاق بلعقروز
عبد الرزاق بلعقروز، باحث وأكاديمي من الجزائر، يعمل حاليا أستاذاً بقسم الفلسفة جامعة سطيف2 (الجزائر)، حائز على جائزة الشَّيخ زايد للكتاب فرع المؤلف الشاب دورة 2019، وجائزة الكتاب العربي دورة 2024.