خلطة جديدة ممتعة في دراما الجاسوسية (2/2)

خلطة جديدة ممتعة في دراما الجاسوسية (2/2)

02 سبتمبر 2021
+ الخط -

ما يمنح مسلسل The Americans قيمة فنية إضافية دفعته للترشح لعدد من جوائز الجولدن جلوب والإيمي، أنه لا يقدم الجاسوسين الروسيين ولا رؤساءهما ولا زملاءهما، بالشكل النمطي الذي تورطت فيه السينما الأميركية كثيراً في فترة الحرب الباردة الأولى، والذي تعودنا مثلاً أن نقدم به الإسرائيليين في مسلسلات الجاسوسية، حيث يختار المخرجون الرجال من الشخصيات المكعبرة غريبة الشكل والأطوار، ويتم اختيار النساء من "الحايحات" الكاسيات العاريات المائلات المميلات، كما لا يظهر الضابط الأميركي في المسلسل بالطريقة التي يظهر بها رجال المخابرات في مسلسلاتنا التعيسة، بوصفه الرجل النبيه الألمعي الذي يجيب ذئب الأعداء من ذيله في كل حلقة، بل على العكس ترى كيف يتورط الضابط الأميركي هو وزملاؤه في العديد من الأخطاء الكبيرة، التي تسمح للروس بزرع أجهزة تنصت في قلب مكاتبهم، وترى أيضا كيف ينجح الجاسوسان الروسيان كل مرة في الإفلات بمهارة من كل المصائد التي يتم نصبها لهما بعناية.

في الوقت نفسه يظهر المسلسل كيف يقوم الجاسوسان الروسيان بفعل أي شيء من أجل تنفيذ ما يكلفان به من مهام، سواءً كان الأمر ممارسة للجنس أو قتلاً لعائلة بأكملها، ومع ذلك فإن المسلسل لا ينزع عنهما إنسانيتهما بالكامل، التي تجعل مثلا الزوج في الجزء الثالث، يتردد كثيراً حين يأتيه أمر باستغلال مراهقة للوصول إلى مسكن والدها الضابط في المخابرات الأمريكية، وزرع جهاز تنصت في حقيبته، لأنها تذكره طيلة الوقت بابنته المراهقة، أو ما نراه مثلا حين تعرف الزوجة أن والدتها المقيمة في روسيا شارفت على الموت، فتضرب عرض الحائط بكل المحاذير، وتقرر الذهاب إلى ألمانيا الشرقية لزيارتها.

نرى أيضا في الجزء الثاني كيف تتورط ضابطة مخابرات روسية في علاقة عاطفية مع ضابط المباحث الفيدرالية الأميركي، وكيف تكون سببا في تصدع حياته الزوجية، لكنه في نفس الوقت يظل مجيدا لعمله وناجحا فيه، ويظل برغم إعادتها إلى الإتحاد السوفيتي لمحاكمتها، متلهفا عليها ومستعدا لفعل أي حماقات من أجلها. كما ستجد في مواضع متفرقة من المسلسل، حرصا على إظهار بعض ضباط المخابرات الروسية متأثرين بما يجري لبلدهم في أفغانستان، ومعبرين عن شعورهم بالورطة التي وضعوا فيها هناك، دون أن يكون لهم حق الاعتراض علنا، لأنهم يعرفون خطورة أي اعتراض يمكن أن ينقله الوشاة الموجودون بينهم، لكنهم في نفس الوقت يمارسون عملهم بحب شديد لبلادهم، ورغبة حقيقية في خدمتها.

مفاجأة العمل التمثيلية من وجهة نظري كانت الممثل نواه إيمريتش، والذي مر عليك وجهه بالتأكيد في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي شارك فيها في أدوار صغيرة

ومن خلال تفاصيل كهذه، ينجح العمل في أن يوصل أحداثه للمشاهد الأميركي بمصداقية درامية عالية، لكنه في نفس الوقت يلعب "من تحت لتحت" على وتر العداء المتصاعد مع روسيا بوصفها خطرا على المصالح الأميركية، ويقوم بمداعبة المشاعر الوطنية الأمريكية، التي تسعى لتأجيجها بالتأكيد شركة FOX المنتجة للمسلسل، والتي تعرضه أيضا على قنواتها المتناغمة مع باقي المنابر الإعلامية التي يمتلكها الملياردير اليميني روبرت ميرودخ، لكنك في نفس الوقت لا تستطيع أن تتهم المسلسل بقيامه بشيطنة الشخصية الروسية بشكل فج، كما حدث من قبل في أعمال كثيرة خلال فترة الحرب الباردة، أو سعيه لإظهار التفوق الأميركي الأمني الأسطوري بشكل شبيه بما كان يقدمه أرنولد شوارزنجر وسيلفستر ستالوني وبروس ويليس في العديد من أفلامهم، ولا تستطيع حتى أن تتهم صناع العمل بأنهم قاموا باستثمار مشاعر "البارانويا" المنتشرة تجاه "الأغيار"، من خلال طرح فكرة أن العدو يمكن أن يكون جارك المسالم الطيب الذي تربطك به علاقة من أجمل ما يكون، لأن الفرضية التي طرحها العمل كانت شديدة الواقعية، وهي لا تستند إلى خيالات درامية أو وقائع حدثت في زمن سحيق، وإنما تم استلهامها من واقعة حدثت في صيف عام 2010، حين تم اكتشاف خلية نائمة لجواسيس روس، كان على رأسهم جاسوسة روسية حسناء تمت زراعتها في المجتمع الأميركي، حتى أصبحت من نجمات المجتمع المحيط بها، وارتبطت بشبكة علاقات اجتماعية وسياسية مهمة، ولم تكتشف الأجهزة الأمريكية حقيقتها إلا بعد هروبها إلى روسيا، في حين تم القبض على زملائها وتمت مبادلتهم فيما بعد مع جواسيس أمريكان تم القبض عليهم في روسيا في أوقات مختلفة.

أذكر يومها أنني قرأت في صحيفة (الغارديان) البريطانية، وعلى الصفحة الأولى مقالاً لأديب الجاسوسية البريطاني الشهير جون لوكاريه، والذي أنتجت السينما عدداً من الأعمال المهمة عن رواياته، تحدث فيه عن أهمية العائلة بالنسبة للجاسوس، وكيف يمكن أن تكون سلاحاً أشد قوة وتأثيراً من التكنولوجيا والمال، وهو ما أدركه في هذا العمل المؤلف جوزيف وايزبرج الذي بدأ حياته كضابط في المخابرات المركزية الأميركية CIA لمدة أربعة أعوام بدءاً من عام 1990، وبعد خروجه من الخدمة كتب رواية بعنوان (جاسوس عادي)، عالجت فكرة استغلال المواطن العادي جدا وغير المثير للشبهات في الجاسوسية.

لكن الرواية التي تحولت بعد ذلك إلى عمل درامي، كانت تقدم تلك الفكرة من خلال محاولات عميل للمخابرات الأميركية أن يقنع مواطنين أجانب عاديين بالعمل لحساب السي آي إيه، ولأن شروط العمل في المخابرات كانت تتطلب من جوزيف وايزبرج أن يعرض على السي آي إيه أي عمل يقوم بكتابته له صلة بعمل المخابرات من قريب أومن بعيد، فقد قام بتجريب الكتابة الدرامية في أعمال لا علاقة بها بالمخابرات، حيث شارك في كتابة مسلسل Damages الشهير وكتابة مسلسل Falling Skies الذي يتخيل آثار هجوم الكائنات الفضائية على الأرض، لكنه حين وقعت حادثة اكتشاف الخلية النائمة الروسية، وامتلأت الصحف ووسائل الإعلام بصور حسناء الخلية التي أثارت صدمة كل من عرفها واقترب منها من الأمريكان، قرر أن يستلهم تلك القصة ليضع فيها خبراته السابقة مع عشقه لكتابة الدراما، فكان هذا العمل الذي حقق نجاحا كبيرا، شجّع كثيرين على استعادة دراما الجاسوسية من جديد، بل وشجّع على إلقاء الضوء درامياً على فترة السبعينًات والثمانينيات، في عدة أعمال تلفزيونية كان بينها من يتعرض لتفاصيل هامشية، مثل الحديث عن الحياة العائلية لرواد الفضاء في تلك الفترة التي كانت حرب النجوم والكواكب فيها هوسا، يتصارع عليه الأمريكان والسوفييت.

إلى جوار عناصر الديكور والملابس والتصوير التي كانت في أحسن أحوالها في مسلسل The Americans لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه اختيار الممثلين (الكاستينج) في إعادة تقديم مواهب صنع هذا العمل نجوميتها الكاسحة، على رأسها بطلته كيري راسل التي لعبت دور الزوجة الجاسوسة، ليكون أنجح أعمالها بعد سلسلة من الأدوار الجيدة متوسطة النجاح، في مشوار بدأته منذ عام 1992، وحصلت فيه من قبل على جائزة عن دورها في مسلسل (فيليسيتي) متوسط النجاح، لكنها لم تحقق جماهيرية فائقة مثلما حدث في هذا المسلسل، الذي جلب نجاحه لها الكثير من العروض الفنية المهمة ليس في التلفزيون والسينما فقط، بل في المسرح حيث لعبت بطولة مسرحية (آنا والملك) على خشبة مركز لينكولن المرموقة في نيويورك، وهو نفس ما حدث لشريكها في البطولة والنجاح الممثل الويلزي ماثيو رايس، الذي لم يعرفه الجمهور الأميركي من قبل إلا من خلال دوره في مسلسل (إخوة وأخوات)، ليجيء ظهوره في مسلسل "الأميركان" مفاجئاً ومبهراً، لبراعته في الانتقال بين المشاعر المختلفة التي يتطلبها الدور المعقد، ليبدأ الكثيرون في استعادة أدواره السابقة في مسلسلات بريطانية لم يكن الجمهور الأمريكي قد شاهدها، وأصبحت متاحة على شبكة (نيت فليكس) وغيرها.

حرص المسلسل أيضاً على الاستفادة من خبرات ممثلين مخضرمين مثل المرشح للأوسكار فرانك لانجيلا ومارجو مارتينديل الحاصلة على جائزة إيمي، لكن مفاجأة العمل التمثيلية من وجهة نظري كانت الممثل نواه إيمريتش، والذي مر عليك وجهه بالتأكيد في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي شارك فيها في أدوار صغيرة، لكنه سيفاجئك في هذا العمل بقدرات تمثيلية رائعة من خلال أدائه لدور ضابط المباحث الفيدرالية، الذي يتورط في محبة جاسوسة روسية، ويسعى لإجادة عمله وخدمة بلاده، ويفشل في أن يكون زوجا ناجحا، كل هذا يؤديه بانفعالات محسوبة ومن منطقة تمثيلية صعبة للغاية، جعلت دوره من أفضل أدوار المسلسل في نظري، بالإضافة إلى دور الممثلة الصاعدة هولي تايلور التي لعبت دور الابنة والتي تكبر أمام عينيك من جزء إلى آخر، وتصبح في الأجزاء الأخيرة للمسلسل صانعة رئيسية للإثارة والتشويق، خصوصاً حين تجد نفسك متشوقاً لمعرفة هل سينجح أبواها في تجنيدها، أم أنها ستكون سبباً في الإطاحة برأسيهما، وهو سؤال لن أجيبك عليه مهما كنت غالياً عندي، لأن تلك الغلاوة هي التي ستمنعني من إفساد استمتاعك بمسلسل قدم خلطة جديدة وممتعة في نوع درامي أهلكته الكليشيهات.