حين أصبح السعدني عجوزا ولا مؤاخذة

حين أصبح السعدني عجوزا ولا مؤاخذة

04 مايو 2021
+ الخط -

تحل اليوم ذكرى رحيل عمي وأستاذي وتاج راسي الساخر الأعظم محمود السعدني الذي ملأ حياته وحياة المصريين بهجة وإمتاعاً وطرقعة بدبايس السخرية في بلالين السياسة "المنفوخين على الفاضي"، ولم أجد ما هو أفضل للاحتفاء بهذه الذكرى من استعادة كتابة السعدني الجميلة، وإعادة نشر مقال جميل ونادر كتبه عام 1968 عن علاقته بمهنة الصحافة التي وهب لها عمره، وهو مقال لم يُجمع للأسف في أحد كتبه، ككثير من المقالات التي لا زالت مدفونة في بطون الصحف والمجلات، وأرجو أن يتسع الوقت لكي أقوم بهذا المشروع الذي تأخر طويلاً، لكيلا تضيع تلك المقالات المهمة والطريفة، ومن بينها هذا المقال الذي يحكي فيه السعدني عن حياته، فإذا به كالعادة يحكي عن حياة جيل ووطن، وحياة مهنة كان يظن أنها تعيش أتعس أيامها، وربما رحمه الله من أن يرى أيامها الأتعس والأضل.

أترككم مع مقال محمود السعدني الذي نشرته مجلة (روز اليوسف) في عددها رقم 2165 بعنوان (أصبحت عجوزا ولا مؤاخذة!): "أعتقد أنني الرجل الوحيد في العالم الذي ينفذ تعليمات الخواجا أوزبورن كاتب إنجلترا الشهير وأنظر خلفي في غضب، وإذا كنت قد ولدت منذ أربعين عاما وبضع سنين، فأنا أيضا أعمل وأفكر وأعيش الحياة كرجل في فمه ألف ضحكة، وعلى لسانه ألف نكتة، وعلى رأسه ألف طن من الهموم.

وعندما أنظر خلفي في غضب أكتشف أنني بدأت الحياة مبكرا، وأنني كنت صحفيا في السابعة عشرة وأن أصدقائي كلهم كانوا من كبار السن، ولذلك عندما بلغت الأربعين اكتشفت أن تسعين في المئة من أصدقائي حصلوا على لقب المرحوم، والذين نجوا من شبكة السيد عزرائيل موزعون الآن بين مستشفى القوات المسلحة، ومستشفى القصر العيني ومؤسسة روز اليوسف.

ولقد كنت منذ عشر سنوات أحيا في سبهللة وأعيش في اطمئنان، باعتبار أن عزرائيل ينقضّ على الأجيال بالدور، وكنت مع جيلي أحتمي بسواتر أشبه بسواتر الطوب التي قامت على أبواب المنازل، كان الجيل الذي قبلي هو الساتر، ثم فجأة انهدم الساتر فأصبحنا مكشوفين أمام عمنا عزرائيل. في الصحافة مات عمنا كامل الشناوي وعمنا غريب، وفي الأدب مات عمنا أنور المعداوي، وفي الحياة مات عمنا كامل بريقع وعمنا حسن كبير أسطوات روز اليوسف.

كان الصحفي يقضي خمس سنوات في المهنة ثم يخرج منها إلى غير رجعة لأنه ليس كفؤا وليس جديرا بالمهنة، واليوم يدخل الصحفي الصحافة فلا يخرج منها

ثم بدأت دفعة حضرتنا يصيبها الدور فسقط جليل البنداري، وسقط الأمير المليجي، ثم تساقطنا نحن أيضاً ولكن بالقطاعي وعلى دفعات. عمنا حسن فؤاد خسر جهازه التنفسي وأنا خسرت جهازي الهضمي، ولويس جريس خسر جهازا ما، ولعل ذلك هو سر نشاطه الزائد ووجوده المستمر في مكاتب صباح الخير!!

وفي مؤسسة روز اليوسف أصبح جيلنا هو الجيل العجوز، وهو الجيل الجاثم على صدر الجيل الجديد وهو سر الجمود والخمود، وهو العقبة ضد التطور وضد التجديد!! ومن غرائب المخلوقات أن الجيل الجديد عندنا في الثامنة والثلاثين، والجيل العجوز عندنا في الثالثة والأربعين، ومن عجائب المخلوقات أن رئيس مجلس إدارتنا في الثالثة والأربعين وحسن فؤاد مثله وجمال كامل كذلك، والعبد الله أيضا ولويس جريس في الأربعين فقط، لذلك هو أشدنا صباً وأكثرنا نشاطاً، ولكنه وبسبب جهازه العصبي أكثرنا خيبة!!! ليس في الصحافة ولكن في أعمال أخرى لا علاقة لها بعمل المجلة!!

ومن عجائب المخلوقات أيضا أنني عندما دخلت الصحافة لأول مرة كان الجيل القديم فيها كامل الشناوي ومحمد التابعي وأحمد الصاوي محمد وزكي عبد القادر وقاسم جودة، وكان هؤلاء بين الخامسة والخمسين والخامسة والأربعين، وكان الجيل الجديد بين الخامسة والعشرين والخامسة عشرة. كان محمد عودة أكبر أبناء هذا الجيل، وكان العبد لله في السادسة عشرة، وكنت أحتفظ دائما في جيبي بورقة تحمل عنوان بيتنا حتى أستدل عليه إذا صادفني حظ سيئ وتهت في الطريق.

ومع ذلك كان العبد لله أكثر لماضة من بغبغان، وأكثر فصاحة من عفريت، وأكثر طموحا من نابليون، وكان أجري عشرة جنيهات على الورق وثلاثة جنيهات في الحقيقة، وبهذه الجنيهات الثلاثة كتبت مرة مئة موضوع في شهر، استهلكت في كتابتها سجاير بأربعة جنيهات، واضطررت في النهاية إلى الاستقالة من المجلة بسبب مطاردة صاحب البوفيه الذي كان يهمه تحصيل المبالغ المتأخرة على المحررين بغض النظر عن الأدب الرفيع الذي كنت أقدمه لقراء المجلة، ولقد ظللت سنوات طويلة ألعن صاحب البوفيه وأشتمه باعتباره عدوا من أعداء الأدب، حتى اكتشفت فجأة أنه كان أبعد مني نظرا، لأن المجلة التي كنت أسوِّد فيها الصفحات الطوال لم يكن لها قراء إلا صاحب المجلة وصاحب البوفيه نفسه! ويبدو أنه أصر على تناول حقه كاملا لكي يجبرني على الفرار رحمة بالقراء وتوفيرا للأوراق والأحبار وجهد العمال في المطبعة.

وأذكر أيضا أنني اشتغلت عند صحفي اسمه كامل بريقع، وكنت أكتب مجلة (السحاب) من الجلدة للجلدة، وكنت أتقاضى مرتبي حسب التساهيل، ولما كانت أحوال عم كامل مضطربة، وجيبه أنظف من الصيني بعد غسيله، فقد كنت أتقاضى حقي سجاير من علبة عم كامل، وكان أحيانا يتفضل بتوصيلي إلى منزلنا بعد منتصف الليل، وسيظن بعضكم أن التوصيل كان يتم بسيارة عم كامل الخاصة أو بتاكسي على أقل تقدير، ولكن الحقيقة يا صحاب أن عم كامل لم يكن من أنصار السيارات الخاصة كما كان بينه وبين سائقي التاكسيات عداوة دفينة لم أعرف سببها ولم أهتم بالسؤال عن سرها أبدا.

لذلك كان عم كامل يتفضل ويأخذني من ذراعي ونتمشى أفرنجي من شارع الخليج المصري حتى الجيزة مارين بالسيدة زينب وشارع السد وفم الخليج وكوبري الملك الصالح، وكان عم كامل يعود وحده بعد ذلك إلى القلعة مارا بطريق القرافة الموحش المظلم. وذات توصيلة رثيت لحال عم كامل فأصريت على توصيله بعد أن وصلني، وفعلا عدت معه إلى القلعة، ولكن الرجل كان شهما هو الآخر فرفض أن يتركني وحدي، وعاد معي مرة أخرى إلى الجيزة، فلما وصلنا إلى ميدان الجيزة اكتشفنا أن الشمس تتوسط السماء وأن موعد الذهاب إلى الجريدة قد حان، فعدنا معا إلى شارع الخليج المصري.

ثم تركت عم كامل وسرحت خلف مأمون الشناوي، ثم تركت مأمون إلى قاسم جودة ومن قاسم جودة إلى كامل الشناوي ومن كامل الشناوي إلى إحسان عبد القدوس، وأشهد وأعترف أنني تعلمت من الجميع حتى من كامل بريقع، فقد علمني الصبر على الشدائد واحتمال المكاره والعمل دون انتظار شيء، والتوكل على الرحمن والإيمان بأن الرزق آت لا ريب فيه، رغم أن حكاية آتٍ دي لم تتحقق أبدا، وإنما الأمور كانت دائما تمشي في طريق.. ريب فيه!!

وتعلمت من مأمون الشناوي كيف أسخر من القراء ومن المحررين ومن إدارة المجلة ومن الجميع، وتعلمت من قاسم جودة كيف أن العمل الصحفي يختلف عن العمل الفني، وكيف أن الصحفي الناجح ينبغي أن يكون أكثر مواظبة من الموظف، وأكثر التزاما من المحامي، وأكثر أناقة من الممثل، وتعلمت من قاسم جودة أن الصحفي بدون لغة أجنبية مثل الترماي بلا سنجة، وأن من تعلم لغة قوم أمن من شرهم وعرف أخبارهم أيضا.

وتعلمت من كامل الشناوي كيف يتحول الصحفي إلى فنان، وما الفرق بين الكتابة في الصحف والكتابة في الكتب والمجلدات، وتعلمت من إحسان عبد القدوس أن الصحفي هو التلميذ الخالد، وأن عليه أن يتعلم كل يوم وأن يتعلم من كل إنسان، وأن الصحفي الكبير هو الذي يعلم الصحفي الصغير ومنه أيضا يتعلم!

كان هذا هو واقع الحال أيام جيلي في الصحافة، ولكن ما أعمق التغيير الذي حدث الآن. الناشئون اليوم أكثر ثقافة من كل الذين سبقوهم، ومن كل الذين سيأتون من بعدهم، والنتيجة أنهم لا يريدون أن يتعلموا شيئا آخر! وهم أكثر شهرة من كل الميتين ومن كل الأحياء، والنتيجة أنهم لا يطمعون في مزيد من الشهرة فكفاهم ما يسطع حولهم من أضواء وهالات! وهم أيضا أهل تقى ورع ولذلك خلت نفوسهم من الطموح وتطهرت من رجس المنافسة، وهم نُسّاك وأهل زهد، فهم لا كتابة يكتبون ولا نشر ينشرون، كفاهم أنهم يقبضون وأنهم مبسوطون، وأنهم يعرفون عبد الوهاب ويسهرون عند بليغ ويتكلمون في التليفون مع عبد الحليم حافظ!

وأعتقد أنا أن الجيل الجديد على حق، فهو جيل محظوظ، أول تعيينه 35 جنيها كل شهر، وهو جيل اخترعوا له قسما في كلية الآداب، وأصبح للصحافة في عهده شهادة، وكأن الصحافة فرع من فروع المعايش، وكأنها مادة للتعليم، وعلى من يدرسها أن يخضع للمجموع وللتنسيق وأن يحصل على شهادة، وأن يتناول أول مربوط الدرجة، وزمان أيام الجاهلية كان الصحفي يدوخ دوخة الأرملة العجوزة لكي يحصل على خمس جنيهات شهريا، وكان محمد عودة محاميا منذ سبع سنوات، ولكنه عندما دخل الصحافة دخلها كمبتدئ وبلا أجرة!

وكان الصحفي يقضي خمس سنوات في المهنة ثم يخرج منها إلى غير رجعة لأنه ليس كفؤا وليس جديرا بالمهنة، واليوم يدخل الصحفي الصحافة فلا يخرج منها، ويعيش فيها مئة عام مجرد نكرة ولكنه ضامن أنه سيتناول علاوة جنيهين كل سنتين، فما فائدة الدرس والبحث إذن؟ وما جدوى الحماس والإخلاص؟ وما لزوم أن يكون الإنسان نجما أو أن يكون ذيلا؟ ما دامت قد تساوت الرؤوس وتساوت النفوس أيضا!! وما دام أحمد مثل الحاج أحمد، وكل عام وأنتم طيبون!

والحمد لله لأنني أصبحت عجوزا وأحمق ومخرفا ومخروم العقل ومهروش المخ على نحو ما. الحمد لله أنني لا زلت أعتقد أن الصحافة هي عمل يومي يتجدد، وأنك قد تلمع مئة عام ثم تصمت عاما واحدا فينساك الناس، وأن الوجود الصحفي ليس بوجودك في كشف المرتبات، وإنما بوجودك في أذهان الناس وفي عقول الناس، وزمان قالوا الصحافة مهنة البحث عن المتاعب، واليوم يقولون: الصحافة مهنة البحث عن السهرات والعلاوات!

...

رحم الله الولد الشقي ورحم المضطرين إلى العمل في مهنة الصحافة في أيام كهذه، أصبحت الصحف والمجلات تدار فيها من مكاتب الضباط الذين لم يكتفوا بدور الرقباء، بل أصبحوا هم الرؤساء والمديرين والكتّاب، وفي طريقهم لأن يصبحوا القراء الوحيدين.