حكومة الجولاني تطرد وفد المعلمين

حكومة الجولاني تطرد وفد المعلمين

17 سبتمبر 2021
+ الخط -

(الجزء الثاني من حكاية معلم المدرسة أبو أحمد)

أبو أحمد، الذي اتصل بي من مدينة إدلب عبر واتساب، سرعان ما أصبح صديقي. كنت أصغي إلى حديثه وتفصيلاته، فأشعر أنني أعرفه منذ أربعين سنة.

بدأ حديثه بفكرة ممتازة، وهي أن الموظفين والمتقاعدين الذين يعيشون في إدلب وريفها كانوا يذهبون إلى مدينة حماه، مرة كل ستة أشهر، يقبضون رواتبهم المتراكمة، ويعودون إلى إدلب، وحينما أصبحت منطقة إدلب تحت سيطرة الرجل الغريب الذي ينتمي لتنظيم القاعدة، المدعو "أبو محمد الجولاني"، أُغلقت المعابر، وحيل بين هؤلاء وبين الحصول على رواتبهم.. وذات مرة، تقدموا بطلب لمقابلة وزير التربية في حكومة الإنقاذ، فاعتذر الوزير عن مقابلتهم بسبب كثرة مشغولياته، وقابلهم رجل ملتحٍ (غريب هو الآخر)، وسألهم عما يريدون، فقالوا له:

- باختصار؛ إما اسمحوا لنا نروح إلى حماه ونقبض المبلغ الزهيد الذي اسمه راتب، أو اعطونا أنتم ما يكفينا للحد الأدنى من العيش.

قاطعتُ أبا أحمد، وقلت له: والله هذا كلام في الصميم. وماذا كان الجواب؟

ضحك أبو أحمد وقال: أنا أريد أن أسألك، لو أن معلمين ومدرسين سوريين مثلنا، يعيشون في حماه، وطلبوا من مسؤول أمني بعثي أن يسمح لهم بالسفر إلى إدلب (فرضاً) لقبض رواتبهم، ماذا يكون الجواب برأيك؟

قلت: المسؤول البعثي قبل أن يتحدث يحك استه، ويمسد شاربيه، ويتفقد سحاب بنطلونه، ويطحّ، ويسعل، ويعزِّل زلعومَه، ويبدأ خطابته متحدثاً عن الظروف الدولية، والمؤامرات الصهيونية، والصمود والتصدي، والتوازن الاستراتيجي مع الأعداء (في القديم كان لهم عدو واحد هو إسرائيل، الآن الكون متآمر عليهم)، ثم يأخذ من المعلمين رؤوس أقلام عن مشكلتهم، ويعدهم برفعها إلى الجهات العليا، وهذه الجهات، بدورها، تشكل لجنة للنظر في القضية، وإجراء المقتضى حسب الأصول القانونية..

قال أبو أحمد: صحيح جداً. ويا سيدي نفس (العلاك) سمعناه من الشيخ الملتحي الموظف في حكومة الإنقاذ تبع الجولاني، ولكن بمصطلحات مغايرة.

قلت: مثل أيش؟

قال: اتضح أن المؤامرة العالمية - بحسب ذلك الشيخ - ليست على خط الصمود والتصدي والممانعة، بل على المسلمين، والمتآمرون ليسوا الاستعمار والصهيونية والرجعية، وإنما قوى الاستكبار العالمي بقيادة الشيطان الأكبر أميركا، والمستهدَف بالمؤامرة هو الأخ الأمير الفاتح أبو محمد الجولاني حفظه الله.. وقال لنا إن موضوع الرواتب هو حق، لا غبار عليه، ولكنه مشوب بباطل، لأن الذهاب إلى مناطق النظام الطائفي المجرم..

قلاطعته قائلاً: عفواً، هو استخدم كلمة "طائفي"؟

قال أبو أحمد: نعم. وهذا صحيح 100% يا أستاذ. فحافظ الأسد بنى دولته على مجموعة من العصبيات، في مقدمتها العصبية الطائفية، وابنه سار على نفس النهج.. أليس كذلك؟

قلت: طبعاً، هو نظام طائفي، قذر، وبامتياز، مع أنه نكل ببعض العلويين الذين عارضوه، مثلما نكل بمعارضيه من مختلف الطوائف، فحربه على الشعب السوري كانت لأجل السلطة، ولكن هذا الكلام يحق لنا أنا وأنت أن نقوله، ولا يحق للجولاني وزلمه أن يقولوه، لأنهم طائفيون مثل النظام وحبة مسك... المهم قل لي، هل وصلتم مع الشيخ الملتحي إلى نتيجة؟

قال أبو أحمد: وصلنا لنتيجة هي أننا أجرمنا بحق أنفسنا وعيالنا عندما لجأنا إلى وزارة التربية في حكومة الجولاني، قبل ذهابنا كانت أمورنا عادية، وماشية، ولكننا بعد ذلك أصبحنا مشبوهين، حاشاك.

أدهشني هذا الكلام. قلت: أصبحتم مشبوهين؟ كيف؟

قال: الشيخ الذي قابلنا كان يتحدث في البداية بلطف ومودة، وبعد أن حكى عن مؤامرة قوى الاستكبار العالمية علينا، راح يحكي عن حقارة النظام، وضرورة الجهاد لأجل إسقاطه، والجهاد، برأيه، لا يكون بالرباط على الثغور، والاشتباك، والكر والفر فقط، بل وبالمقاطعة، وهذا ما توصل إليه أميرهم الجولاني رعاه الله عندما أمر بإغلاق كل المعابر، بهدف أن يخنق النظام الطائفي المدعوم من المجوس والكفار.. وأضاف أن النظام يعتقل كل من يقع تحت يده، ما عدا الشبيحة (وهنا غضب وقال) وأنا أرى أنكم جاهزون للذهاب إلى حماه غير مبالين، وكأنكم شبيحة.. نعم أنتم شبيحة، فلتخسأوا، أليس حراماً عليكم أن تشبحوا لنظام قاتل مجرم طائفي؟..

ذهلت وأنا أسمع هذا الكلام، وقلت لصديقي أبي أحمد: وماذا فعلتم حيال هذا الكلام التافه؟

قال: استأذنّا وخرجنا، وتنفسنا الصعداء. لم نصدق أنفسنا أننا خرجنا من عنده سالمين، وأنا أظن أن هؤلاء أقل سوءاً من النظام، فلو حدث مثل هذا الصدام في فرع أمني فلربما احتجزونا أياماً وأسابيع وأشهراً، ولكن ربك ستر..

قلت: طيب يا أبو أحمد. أنت حدثتني، قبل هذا، عن حاجز نصب في إحدى القرى التي يمر فيها طريق إدلب وحماه، اسمه "أبو رستم"، يفتش الناس ويأخذ منهم رشاوى دون أن يكون تابعاً للنظام أو للمعارضة. وأخبرتني أن أحد فروع الأمن في حماه استدعاه. ولم تكمل لي السالفة.

قال: نعم. بحسب ما سمعت من بعض معارفي أن أبو رستم طُلب لمراجعة الفرع، وعندما مثل أمام رئيس الفرع، سأله عن ملابسات افتتاح الحاجز، ولماذا لم يحصل على موافقة الجهات المختصة؟ وبدلاً من أن يتحدث عن حقارته، وعدائه للشعب، راح يفقع رئيس الفرع خطابة عن الصمود والتصدي، وأولويات المعركة، ومكافحة الإرهاب.. وقال له إن الرئيس بشار الأسد يتعرض لمؤامرة كونية، والوقوف إلى جانبه في هذه المعركة لا يحتاج إلى موافقات. و..

قال له الضابط بنبرة آمرة: بعدين بعدين..

قال أبو رستم: بيني وبينك سيدي؟ أنا لاحظت أن بعض المسافرين صاروا يعرفون أين تقع حواجز رفاقنا في الجيش والأمن والدفاع الوطني، ومن شدة خبثهم صاروا يسلكون طرقاً ترابية وعرة، ليتجنبوا المرور برفاقنا، وقد فاجأتُهم أنا بحاجزي الذي يشبه الحواجز الطيارة، لكي يعرفوا أن الله حق، ويكفوا عن دعم الإرهاب والعصابات المسلحة..

علقت على حديث أبو أحمد قائلاً: والله هذا شبيح حقير وحويط. وماذا كان رد رئيس الفرع عليه؟

رن جرس المكتب، فحضر أربعة عناصر، كل واحد منهم بغل شموس قائم بذاته. قال رئيس الفرع:

- أهلاً بالشباب. هذا الحيوان مفكر حاله ذكي، أتى من قريته إلى هنا خصيصاً لكي يضحك علي. كأنني مضحكة الذي خلفه. أنزلوه لتحت، وعندما أسمع صراخه أنا أخبركم أن تعيدوه إلي.

(للسالفة تتمة)