حكايات عن أم كلثوم التي لا يعرفها أحد (2/3)

25 نوفمبر 2020
+ الخط -

ـ أستاذ محمود، في كلامك عن الأيام الأخيرة لأم كلثوم أثرت مسألة الحرب اللي تم شنها على مشروع أم كلثوم واللي كثيرين بيقولوا إنه كان وراها السيدة جيهان السادات بشكل مباشر، هل صحيح أن عبارة "إزيك يا أبو الأنوار" التي قالتها أم كلثوم للسادات في حفل زفاف إحدى بناته بعد توليه الرئاسة، كانت السبب في إشعال هذا الصراع؟

والله هذه الرواية كتبها الأستاذ محمد حسنين هيكل، وهو يُسئل عنها، لكن أعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، شوف بعد رحيل عبد الناصر، الشعب المصري كله كان عنده انطباع إنه مافيش حد يقدر يملا مكان عبد الناصر، وكل النكت اللي طلعت علي السادات كانت تثبت إنه مش مالي عين المواطن المصري، وأنا هنا لا أقول تفسير خاص، وإنما هأحكي لك واقعة قد تساعد على الفهم، لما مات عبد الناصر كانت أم كلثوم موجودة في موسكو لإحياء سلسلة حفلات للطلاب المصريين والعرب، وكانت تعتبر هذه الحفلات امتدادا لمساهمتها في المجهود الحربي، فلما مات عبد الناصر ألغت البرنامج وقطعت الرحلة، ورجعت إلي مصر وفضلت فترة طويلة في حالة حداد، وهي كانت لما تغني عادة في أي حفلة، كانت تبتدي الوصلة الأولي بأغنية جديدة والوصلة الثانية والثالثة بأغان قديمة. في أول حفلة أحيتها بعد وفاة عبد الناصر بفترة، بدأت الوصلة الأولى بأغنية "ودارت الأيام"، ولما ترجع للتسجيل هتلاقي كمية التصفيق اللي حصلت بعدما نطقت أم كلثوم ببداية الأغنية غير طبيعية، الأغنية لم تكن جديدة والسياق كان عاطفي، لكن لما تضعه بجوار الوضع العام الموجود في البلد، ووجود حالة تململ من السادات، واندلاع مظاهرات في الجامعة تسخر من مصطلحات سنة الحسم وسنة الضباب، في ظل كل ده بدت أغنية (ودارت الأيام) وكأنها منشور سياسي، ممكن تكون أم كلثوم ما تقصدش ده، بس المحصلة العامة أوجدت الإنطباع ده.

ـ فاهم قصدك، لكن نرجع لتفاصيل العلاقة بين السيدتين كما تفصلها الكثير من الشهادات والمذكرات، هنلاقي إنها أخذت شكل حرب صامتة على مشروعها الخيري، ولم تكن هناك جرأة في إعلان الحرب على المشروع إلا بعد رحيلها؟

أم كلثوم كما أشهد لم تبادر أبدا بالعداء وهي ذكية جدا، وكانت تحس بمكانتها وحب الناس لها، وكل ما فعلته انها كانت تحلم أن تعمل عملا خيريا بفلوسها، وجابت ناس محل ثقتها ليتولوا شئون المشروع، منهم فكري أباظة وصالح جودت وعثمان أحمد عثمان وآخرين، وكنت أنا أصغر عضو في مجلس الإدارة في هذا المشروع، لكنها مع الأسف لم تتمكن من إتمام حلمها.

ـ لكن في ظل وجود توتر ملحوظ، هل فكرت أم كلثوم إنها تتخذ خطوة للتقرب من السادات وزوجته سيدة مصر الأولى ولو بمجاملات خفيفة؟

أبدا، هي عمرها ماعملت ده، لا للسادات ولا لغيره، وأم كلثوم طول الوقت كانت تتصرف على سجيتها، ولا أذكر أنني رأيتها تجامل أحدا، لإنها لم تكن في حاجة لده أبدا، وحتى في مواقفها السياسية بشكل عام، لم تكن تتصرف بعدمية كما يفعل بعض الفنانين، في اعتقادي أم كلثوم كانت وطنية بالمعنى العميق، وليس بالمعنى الأيديولوجي، كانت ست تحركها مشاعر وطنية جياشة طول الوقت، وكانت تذوب في تراب هذا البلد وحبه، هزتها النكسة بشدة لكنها كانت مؤمنة جدا إن احنا هنحارب، وإن الجيش الذي ذاق مرارة النكسة هو الذي سيرجع الأرض بل كانت مؤمنة أن الارض التي سترجع هي القدس حتى قبل سيناء، ولم تكن تحتاج أن تعلن هذه المواقف في خطب وتصريحات، مش هتلاقي لها ده، لكن كان يترجم في أغانيها اللي كانت بتتصرف فيها بتلقائية شديدة، ولو كانت راغبة في نفاق حد ومجاملته، كنت هتلاقيها غنت أغاني بإسم السادات مثلا.

أول ما خلصت كتبت المقال واديته لإحسان، قراه وعجبه جدا، وفوجئت بيه بيقول لي: "طيب إلحق ورّي البروفة للست"، قلت له: "ست مين"، قال لي "الست أم كلثوم"، قلت له باستغراب: "وهي تشوف البروفة ليه؟ هو من امتى إحنا بنورّي حد شغلنا"، قال لي: "بس أم كلثوم مش أي حد"

ـ بمناسبة الأغاني الوطنية التي غنتها أم كلثوم في فترة السادات، أغلب أبناء جيلي الذين لم يعاصروا أم كلثوم، تربوا على معلومة خاطئة وهي إن أغنية "بالسلام احنا ابتدينا" غنتها أم كلثوم للسلام مع إسرائيل لأنها تذاع منذ رأينا النور في هذا السياق، والكل بيعتبر ده شيئ يشين أم كلثوم، لإن اللي غنت "أصبح عندي الآن بندقية" و "والله زمان يا سلاحي"، فجأة وبأوامر عليا أصبحت بالنسبة لهم بتغني فجأة للسلام يا سلام يا سلام؟

طبعا هذا الكلام مضحك جدا، لأن أغنية (بالسلام احنا ابتدينا) دي ظهرت في سياق حرب 56 وما بعدها، وعلى فكرة توظيف الإعلام الرسمي أيام السادات للأغنية دي بعد كامب ديفيد، ما كانش الوحيد، السادات عمل نفس الحكاية دي مع محرم فؤاد بعد رجوعه من كامب ديفيد لإسكندرية، استدعى محرم فؤاد وطلب منه يغني في أول حفلة أغنية "والنبي لنكيد العزال" التي كان غناها قبل ذلك في مناسبة لا علاقة لها بكامب ديفيد، والناس كلها تعاملت معها بعد كده بوصفها أغنية في مديح كامب ديفيد وهجاء العُزّال اللي رفضوها.

ـ عارف إنك بتتحاشى دايما الكلام في الموضوعات الشخصية، لكن سأسألك عن شيئ شاهدته واستفزني، وشعرت أنه من حق أم كلثوم أن يتم رد غيبتها، لإني منذ حوالي شهر وفي قناة فضائية عربية، شاهدت حديثا للصحفي الفلسطيني الكبير ناصر الدين النشاشيبي والذي كان مقيما في مصر لفترة طويلة في الخمسينات والستينات، وكان أحد رؤساء تحرير صحيفة الجمهورية، وقد تحدث في ذلك اللقاء عن الحياة الشخصية لأم كلثوم حديثا اساء فيه إلى حياتها الشخصية، مما قاله مثلا "إنها لم تكن تعيش حياة سوية"، وأن زوجها الدكتور حسن الحفناوي كان نادما على زواجه منها؟ ما تعليقك؟

(بامتعاض شديد) الأصل في الاشياء الاستقامة، والأصل أن تكون حياة أم كلثوم الشخصية سوية، ومن يدعي بغير ذلك فعليه الإثبات، لإن الإفتراء على الناس سهل، لكن لا يجب أن يمر بسهولة، وبعدين زوجها المرحوم الحفناوي كان متزوجا قبلها وعنده أولاد من زيجته يعيشون في بيت مستقل، والبديهي أنه لو لم يكن سعيدا معها لما استمر معها حتى ماتت وهما يعيشان معا في سعادة، أم كلثوم كانت تحترم نفسها وكانت حريصة طول الوقت إنها ما تبقاش نجمة مجتمع، وألا تخرج حكايات للنشر فيما يخرج عن نطاق عملها، وده كان بيقابل من البعض برغبة في الإنتقام من قدرتها على إحاطة حياتها بستار حديدي، فبالتالي كان البديل هو اللجوء إلى سيل من الإشاعات والأكاذيب، ممكن في البداية لاستفزازها لكي تتحدث، ثم بعد ذلك حصل استمراء لصمتها، وأصبحت مسألة إطلاق الأكاذيب عن حياتها الشخصية غيّة عند البعض.

ـ حضرتك عرفت أم كلثوم في مرحلة متأخرة من حياتها، لكن وأنت تبحث عن تفاصيل حياة أم كلثوم التي لا يعرفها أحد، هل وجدت أن مسألة الإنجاب شغلت بالها في فترة من حياتها؟ 
طبعا عندما تزوجت أم كلثوم بالدكتور الحفناوي كانت قد بلغت الخمسين عاما، فلم يكن واردا مسألة الانجاب، لكن مما حكاه لي الملحن الكبير محمود الشريف والذي ارتبط بها لفترة قصيرة، أنه كان راغبا في الإنجاب منها بعد الزواج، لكنه تعرض لضغوط ضخمة من خارج الأسرة حتى لا يتم الزواج. 

(رفض الأستاذ محمود محاولاتي استيضاح تلك الإجابة والحصول على تفاصيل أكثر، فنقلت الحديث إلى موضوع آخر)

ـ نعود إلى لحظة البداية يا أستاذ محمود، أم كلثوم في قمة مجدها، وأنت صحفي شاب على باب الله، وكبار كتاب مصر كانوا أصدقاء أم كلثوم المقربين، ومع ذلك اختارت هذا الصحفي الشاب لكي يقترب منها بقوة، كيف حدث ذلك؟ حسن الحظ، ولّا دعاء الوالدين ولّا؟

(ضاحكاً) بالتأكيد كنت حسن الحظ لإقترابي من أم كلثوم، لكن لم يكن حسن الحظ فقط وحده وراء الموضوع، شوف يا سيدي، بدأت معرفتي بأم كلثوم سنة 1968، كانت وقتها تقوم بحفلاتها الغنائية من أجل المجهود الحربي، وكنت أنا برغم صغر سني أقوم بنشاط صحفي كبير في (أخبار اليوم)، وعندما طلب مني رئيس التحرير المرحوم العظيم إحسان عبد القدوس أن أكتب موضوعا عن أم كلثوم للصفحة الأخيرة ضمن سلسلة الموضوعات التي كنت أكتب فيها عن شخصيات مختلفة، ومع أنه كان صديقا لها إلا أنه رفض أن يساعدني ولو حتى بتليفون يتوسط لي عندها، استجبت للتحدي، واتصلت بأم كلثوم، وتركت اسمي لدي السفرجي، وفوجئت بها ترفع السماعة بعد قليل، فبدا أنها تعرف اسمي من خلال ما أنشره، شرحت لها فكرة الموضوع، فعرفت أنها كانت تتابع ما ينشر في الصفحة الأخيرة من بورتريهات للشخصيات، طلبت مني الإتصال في موعد آخر حددته، في الموعد التالي ردت علي وطلبت مني الاتصال في موعد ثالث، وهكذا من يوم ليوم على مدى أكثر من أسبوعين، وفي اتصال لا زلت أذكر أنه كان في يوم جمعة، أحست هي أنني زهقت، ربما من تغير نبرات صوتي، عندما لمست في بداية المكالمة أنها تفكر في تأجيل الموعد، قلت لها "حضرتك أجلتي الموعد أكتر من مرة وأنا مرتبط ببكره كموعد تسليم الموضوع"، وقبل أن أكمل قاطعتني قائلة:" وراك حاجة دلوقتي"، وطبعا قلت "لأ ما وراييش حاجة خالص"، وذهبت إلي منزلها بعد نصف ساعة لتبدأ رحلتي معها، بالطبع كان يمكن أن يصبح لقاء صحفيا عابرا وخلاص، لكن زي ماقلت لك كانت أم كلثوم هي التي تقرر طبيعة علاقاتها بالناس تبعا لإحساسها، بعد ساعتين من الحوار معها، قالت لي "خلّصت ياسيدي شغلك.. طيب لِمّ ورقك وإنسى الصحافة وخلينا أصحاب"، هكذا فورا، ذهلت طبعا وجلست لمدة حوالي 3 ساعات تسألني أم كلثوم عن الجيل الجديد ورأيه فيها وعن أحوال البلد وعن حياتي الخاصة وعن حياتها الخاصة، انبهرت ووقعت في غرامها، فلا يمكن ان تتخيل حجم طيبتها وإنسانيتها وبساطتها وروحها الحلوة.

كان لقائي بيها يوم الجمعة، وزي ما انت عارف (أخبار اليوم) بتصدر يوم السبت، فكان المفروض إن المقال اللي هاكتبه محجوز له الصفحة الأخيرة من الجورنال، فأول ما خلصت كتبت المقال واديته لإحسان، قراه وعجبه جدا، وفوجئت بيه بيقول لي: "طيب إلحق ورّي البروفة للست"، قلت له: "ست مين"، قال لي "الست أم كلثوم"، قلت له باستغراب: "وهي تشوف البروفة ليه؟ هو من امتى إحنا بنورّي حد شغلنا"، قال لي: "بس أم كلثوم مش أي حد".

كان الموقف دال على اختلاف نظرة شاب متحمس ونظرة صحفي مخضرم يعرف قدر أم كلثوم ومكانتها وأهمية الاحتفاظ بيها كمصدر، المهم من هنا لهنا رحت وريت البروفة لأم كلثوم، وكان لها تحفظات على المقال اللي كتبته لكنها ما طلبتش تغيير شيئ فيه، ونشر المقال وقلب الدنيا وحقق نجاح مدوي، واستمرت علاقتي بالسيدة أم كلثوم كأحسن ما يكون منذ ذلك الوقت.

...

نختم غداً بإذن الله.