حكايات عن أم كلثوم التي لا يعرفها أحد (1/3)

24 نوفمبر 2020
+ الخط -

يمكن أن يقال الكثير في مديح الكاتب الكبير محمود عوض، ومن بين ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أنه كان الكاتب الوحيد الذي اقترب بشكل وثيق وحميم من ثلاثة من أبرز عمالقة الفن في مصر، هم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، ويحسب له أنه لم يكتف بتلك الصداقة على المستوى الشخصي، بل أضاف إلى المكتبة العربية كتابين من أهم ما كتب عن أم كلثوم وعبد الوهاب، هما كتاب (أم كلثوم التي لا يعرفها أحد) الصادر عن سلسلة كتاب اليوم في ستينيات القرن العشرين، وكتاب (محمد عبد الوهاب) الذي صدر بعد ذلك بعشر سنوات في سلسلة (اقرأ) التي تصدرها دار المعارف.

كان الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، الذي كان من أول من تبنوا موهبة محمود عوض فور قدومه إلى دار (أخبار اليوم)، هو من اقترح على محمود أن يكتب عن أم كلثوم، مع أنه لم يكن يكتب وقتها في الفن، لكنه كان مشهوراً بقدرته البارعة على كتابة فن "البورتريه" الذي يعيد كتابة السيرة الذاتية للشخصيات الشهيرة التاريخية والمعاصرة بشكل صحفي ممتع ومفيد للقارئ الذي لا يجد وقتاً لقراءة الكتب وتصفح المراجع، وقد جُمع بعض ما كتبه في هذا المجال في كتب مثل (شخصيات) و(متمردون لوجه الله) و(أفكار ضد الرصاص)، بالإضافة إلى بعض من فصول كتابيه الجميلين (بالعربي الجريح) و(من وجع القلب)، وكل هذه الكتب أعيد طبعها ويباع في مكتبة دار المعارف في القاهرة، بالإضافة إلى كتابيه السياسيين المهمين (وعليكم السلام) و (اليوم السابع ـ الحرب المستحيلة حرب الاستنزاف).

لم يكن لقاء محمود عوض بأم كلثوم سهلاً، لأنها لم تكن تثق بسهولة بالصحافيين الذين لا تعرفهم بشكل وثيق، لكن ذلك اللقاء كان سبباً في صداقة حميمة بين النجمة الكبيرة والصحافي الشاب، ربما لأن أم كلثوم شعرت بأنها أمام صحافي لا يريد أن يكتب عنها على طريقة (أين ترعرعت سيدتي)، وليس مستعداً لأن يفقد نديته المهنية مع فنانة، حتى لو كانت أعظم فنانة في الشرق، ليشجعها ذلك على التعاون معه في كتابه عنها، ولتتوثق بينهما صداقة حميمة، ظل محمود عوض يحتفظ بها في مكان خاص من وجدانه طوال حياته، ولم يفرّط فيها حتى بعد أن أصبح واحداً من أقرب أصدقاء محمد عبد الوهاب ثم عبد الحليم حافظ، حيث نجح في احترام خصوصيات الثلاثة وكتمان أسرارهم والتعامل معهم بندية وتكافؤ، وإبداء رأيه إذا طلبوه بصدق وأمانة، فكانت صداقته المتينة بالثلاثة لغزاً جلب له حسد أقرانه، بل وتسبب في محاولات بعضهم لإفسادها بالوقيعة، لكن ذلك كله فشل، لأن محمود عوض ظل طوال صداقته بالثلاثة حريصاً على ألا يستغل صداقته بهم، وألا يشعروا بأنه يتعامل معهم كمصادر صحافية، وحتى تجربة العمل المشتركة بين محمود عوض وعبد الحليم، من خلال المسلسل الإذاعي (أرجوك لا تفهمني بسرعة) الذي كتبه محمود عوض، لم تحدث إلا بعد أن نشر محمود عوض رواية مسلسلة في (أخبار اليوم) بذات العنوان، فأعجبت عبد الحليم، وأصرّ على تحويلها إلى مسلسل إذاعي لعب بطولته مع نجلاء فتحي والنجم الصاعد وقتها عادل إمام.

بعد رحيل أصدقائه الثلاثة، لم يكتب محمود عوض عنهم مثل كثيرين من أبناء جيله، برغم أنه تلقى عروضاً بمبالغ فلكية من العديد من أهم الصحف الخليجية التي وصلت إلى قمة انتعاشها في السبعينيات والثمانينيات، مفضلاً مواصلة الكتابة السياسية التي كان يعشقها ويهتم بها أكثر، وكان يبدي تعجبه لأصدقائه وتلاميذه، من بعض الكتاب الذين تربحوا من وراء كتب مليئة بالمبالغات والأكاذيب أحياناً، كتبوها عن علاقاتهم بالعمالقة الثلاثة، مع أنها كانت علاقات سطحية للغاية، لا ترقى إلى وصفها بالصداقة، ولذلك فقد كان محمود عوض يتحرج من تحويل علاقة الصداقة التي جمعته بالثلاثة الكبار إلى مصدر للكسب، ولذلك حين قرر أن يخرج عن صمته ويتحدث عن عبد الحليم حافظ لأول مرة، رفض كل العروض التي جاءته من الصحف العربية، وتحدث عنه في حوار مع الأستاذ إبراهيم عيسى في صحيفة (الدستور) سنة 1996، وقد كان في علاقة الاثنين منعطفات درامية شهدتها، وهي تستحق التسجيل في كتابة مستقلة بإذن الله.

أكثر أغنية أحبها لأم كلثوم هي آخر أغنياتها "حكم علينا الهوى"، ربما بسبب الذكريات التي تربطني بهذه الأغنية، فقد عاصرت هذه الأغنية منذ لحظة ميلادها وحتي تسجيلها، رغم أن الزمن لم يسعف أم كلثوم لكي تغنيها في حفلة عامة

كان من حسن حظي أن تشرفت وسعدت وتنوّرت بصداقة الأستاذ محمود عوض منذ عام 1996 وحتى رحيله الفاجع في عام 2009، وكانت تلك الصداقة تجربة إنسانية تعلمت منها الكثير الذي أتمنى أن أكتبه يوماً ما بشكل يليق بجمالها، وهي صداقة بدأت حين ذهبت لأجري معه حواراً لصحيفة (الدستور) عن علاقته بالسيدة أم كلثوم والتي اقترب منها بشدة في آخر سنوات حياتها، وقد اخترت أن يقتصر الحوار على الجوانب التي لم يتطرق إليها في كتابه عن أم كلثوم، لتكون بمثابة فصل مكمل للكتاب، فكان هذا الحوار الذي استمتعت بإجرائه، وأرجو أن تستمتع بقراءته:

ـ أستاذ محمود.. دعنا نبدأ الحديث عن أم كلثوم بأهم ما تمثله أم كلثوم، بالأغاني، ما هي أكثر أغنية للست أم كلثوم تهزّ فؤادك وتذكرك بالذي مضى، أقصد تذكرك بأم كلثوم وأيامها الجميلة؟

أكثر أغنية أحبها لأم كلثوم هي آخر أغنياتها "حكم علينا الهوى"، ربما بسبب الذكريات التي تربطني بهذه الأغنية، فقد عاصرت هذه الأغنية منذ لحظة ميلادها وحتى تسجيلها، رغم أن الزمن لم يسعف أم كلثوم لكي تغنيها في حفلة عامة، وأذكر أن صديقي العظيم بليغ حمدي رحمه الله كان متوتراً جداً في أثناء إعداده للحن هذه الأغنية، وكان وقتها في بداية زواجه من المطربة وردة، وكنا معزومين في حفلة في إحدي الليالي، وقال بليغ لوردة: "اسبقيني على الحفلة"، وذهبت أنا إلى الحفلة لأجد الجميع في انتظار بليغ، ساعة، ساعتين، ثلاثة لم يأتِ بليغ، خِلصت الحفلة وعدت إلى البيت، وفوجئت بتليفون يوقظني بعد منتصف الليل: "آلو مين.. انا بليغ يا محمود.. بليغ إنت فين ياعم"، فاجأني أنه سافر إلى بيروت فجأة، قائلاً لي: "أصل اللحن معقرب معايا شوية"، وطلب مني أن أبلغ وردة بسفره المفاجئ، لأنه خائف من أن يتصل بها ويبلغها فتغضب منه، وتنتهي المكالمة بخناقة حامية في التليفون، وطلب مني رعاية وردة التي كانت وقتها حديثة العهد بالقاهرة وأن أعتبرها أمانة عندي بنص تعبيره، ورغم امتعاضي في البداية من المهمة بسبب ارتباطات العمل، إلا أنني لبيت طلب بليغ وأبلغت وردة بسفر بليغ، وتفرغت لمرافقتها خلال تلك الفترة، وبعد أكثر من أسبوع كنت أركب سيارتي مع وردة بالقرب من فندق شيراتون القاهرة، فوجئت بواحد بيضرب "كلاكس" جامد ورايا، وسّعت له السكة، استمر في ضرب الكلاكس، التفتّ ورايا لقيته بليغ، قلت له ضاحكاً: "استلم الأمانة"، على عكس ما بدا صوته في التليفون، كان بليغ في منتهى الفرحة لأنه أخيراً أنجز اللحن. أذكر بعدها أن السيدة أم كلثوم طلبت من بليغ أن يدعوني لحضور تسجيل الأغنية، وهو ما لم يكن يحدث مع أحد من الصحافيين وقتها، ورغم أني تصورت أن هذه رغبة بليغ، وتحرجت من الذهاب إلا أنه أصر مؤكداً أنها رغبة أم كلثوم، ولا يستطيع هو عدم تنفيذها وبالفعل حضرت التسجيل، وكانت لحظات فريدة في حياتي لا أنساها أبداً.

ـ برغم أن أم كلثوم أدت الأغنية بشكل رائع، لكن قرأت أن آثار صحتها المتدهورة كانت قد بدأت تظهر في ذلك الوقت من عام 1973 وقبل رحيلها بعامين، هل حدثتك أم كلثوم عن تفكيرها في اعتزال الغناء في ذلك الوقت؟

شوف، برغم أن صحة السيدة أم كلثوم كانت قد ضعفت قليلاً في ذلك الوقت، كذلك حالتها النفسية كانت متدهورة بسبب تعثر مشروعها الخيري والحرب اللي تمّ شنّها على هذا المشروع في عهد (أنور) السادات، لكنني شاهدت بنفسي كم كانت متألقة وهي تغني، بمجرد أن تبدأ الغناء تشعر بأنها أصبحت في منتهى القوة والتألق، وأنها أصبحت حتى أصغر في السن، لم يكن مبالغة أن تقول إن الغناء يمنحها حياة وحيوية لا مثيل لهما، أتذكر أنها في أثناء توقف التسجيل كانت تحضر إلينا أنا وبليغ لكي تداعبنا بخفة ظلها الرائعة التي كنت أسمع عنها من قبل أن أعرفها، لكن وجدتها كما وصفها الكل وأكثر، بالمناسبة أم كلثوم كانت فلاحة زي أمهاتنا كده، ماعندهاش وسط، إما أنها تقفل من حد، أو إن بساطها يبقي أحمدي، أذكر أنها قالت لبليغ يومها بمحبة شديدة: "خلاص يا بليغ إنت اتجوزت.. عايزة بقي أجوّز محمود وأشوف له بنت حلوة ويبطل حياة العزوبية".

(مع الأسف لم يحقق الأستاذ محمود أمنية أم كلثوم ورحل عن الدنيا وحيداً، وتم العثور عليه ميتاً في شقته بعد مفارقته الحياة بيوم، عندما تأخر في الرد على مكالمات تلاميذه ومحبيه الذين تعودوا الاطمئنان عليه، وما زلت أذكر كيف اتصل بي ذات يوم ليطلب مني أن أتصل به كل يوم في السابعة مساءً لكي أطمئن عليه لأنه يعاني من نوبات ضيق تنفس حادة، وكنت أفعل ذلك أنا وعدد من الزملاء الذين تشرفوا بصداقته، وشاء الله أن يرحل عن الدنيا خلال سفري إلى الخارج فلم أحضر جنازته مع الأسف الشديد).

يواصل الأستاذ محمود عوض حديثه قائلاً: 
بمناسبة حكاية اعتزال الغناء اللي أثرتها في سؤالك، أذكر أني وصلتها في يوم بعربيتي من الاستوديو إلى بيتها بعد انتهاء تسجيل الأغنية، وكانت دي من أواخر المرات اللي شفت فيها الست قبل وفاتها، وبنزق الشباب حاولت أن أسألها من بعيد لبعيد عما إذا كانت ستستمر في الغناء، وأذكر أنني فضلت ألف وأدور وأختار صيغ دبلوماسية للسؤال، وسهلت هي الأمور عليّ وقالت لي بالبلدي: "إنت عايز تقول إمتى هابطل غناء.. شوف يا محمود أنا لو بطلت غُنا أموت على طول"، وفعلاً لم تمرّ أيام معدودة حتى مرضت مرضها الأخير وانتقلت إلى جوار الله.

بالمناسبة، أذكر أن في خلاف حصل بين أم كلثوم وبليغ خلال تسجيل الأغنية، لأن بليغ طلب أن يكون هناك كورس في الأغنية لترديد بعض الجُمَل، ورفضت أم كلثوم بشدة معتبرة أن ذلك ينتقص منها، ويعطي إيحاءً بأن صوتها مجهد ويحتاج إلى كورس لكي يسنده، وأصرّ كل منهما على رأيه بشدة كادت تنهي مشروع الأغنية، ولصداقتي بالاثنين احتكما إليّ، ونجحت في فض الخلاف بأن أقترحت أن تغني أم كلثوم الأغنية بدون كورس، ثم يتم تسجيلها مرة أخرى بكورس، ويترك القرار لأم كلثوم لكي تختار، واعتبر الاثنان أن هذا إرضاء لهما، وهو ما حدث بالفعل، وبعد التسجيل اقتنع بليغ بوجهة نظرها، وظهر التسجيل بصوت أم كلثوم بدون كورس، وكانت على وشك أن تغني الأغنية في حفلة، لولا تراجع حالتها الصحية، ولحسن الحظ قام التسجيل بحفظ الأغنية، على عكس أغنية (أوقاتي بتحلو) من ألحان سيد مكاوي التي قامت بعمل بروفات عليها، لكنها لم تسجلها...

نكمل الحوار غداً بإذن الله.