حرب البسوس وسيرة العقل المنغلق في سورية
ليست حكاية جسّاس بن مرّة والملك كليب بن ربيعة في حرب البسوس مجرّد صفحة من تراث الحروب العربية القبلية القديمة، بل هي انعكاس لبنيةٍ اجتماعيةٍ كامنةٍ في الوعي العربي منذ قرون بعيدة، بنيةٍ تعيد إنتاج الاستبداد وتكرّره في صورٍ وأشكال مُتباينة عبر التاريخ. فالقصّة التي تبدأ بقتل ناقة البسوس وتنتهي بحربٍ مدمّرة لم تكن لنصرة الكرامة الجريحة أو النخوة المهدورة كما يُروى عادة، بل عن منطق السلطة واحتكارها، وعن الصراع والتحوّل التاريخي من البداوة الاجتماعية المشاعة إلى الملكية الفردية الخاصة، ومن التضامن والتآزر إلى الهيمنة. إنّها ليست حكاية أفرادٍ يتقاتلون، بل مجازٌ عن شكل مجتمعٍ ينقسم بين من يملك السلطة والقرار والحكم، ومن لا يملك حتى حقّ إشعال النار لإعداد الطعام، بين من يتكلّمون باسم الجماعة، ومن يُقصون من حقّ القول.
يظهر الملك كليب (وائل) في هذا السياق لا كفارسٍ نبيلٍ، بل كرمزٍ للسلطة المطلقة التي استبدّت باسم العرف، وأخضعت كلّ من حولها لمنطق الامتلاك والسيطرة. هو المتحكّم في الماء والمجال العام والكرامة الجمعية، أي إنه المالك الفعلي للثروة والقرار والمُمثّل الوحيد للقيم والرمز معًا. أمّا جسّاس، فليس مجرّد رجلٍ طائش متهوّرٍ، بل هو تمثيل رمزي لوعيٍ مُدرك للظلم والقهر والذل، وتمرّدٍ فردي حُرّ على نظامٍ مُغلقٍ استبدادي لا يسمح بالمشاركة أو العدالة. حين طعن كليب برمحه، لم يكن يثأر لناقةٍ، بل كان يوجّه ضربةً إلى بنيةٍ من الاستبداد والبغي والتفرّد كانت تحتكر كلّ شيء حتى الهواء الذي يتنفّسه قومه. لكنّ تمرّده بحكم العرف والإرث وقوانين البداوة بقي بلا أفقٍ تحرّريّ، لأنّه لم يتحوّل إلى مشروعٍ يهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية ذاتها، بل إلى ردّة فعلٍ غريزيةٍ سرعان ما تحوّلت إلى حربٍ لا غالب فيها.
القيم الأخلاقية والاجتماعية التي تُرفَع في هذه الحكاية الشعبية مثل "الشرف والكرامة والنخوة" تبدو للوهلة الأولى من معرفتها وقراءتها نبيلةً، لكنها تخفي تحتها صراعاً بنيوياً أعمق من التراتبية والإقصاء. فالكرامة كمفهوم هنا ليست قيمة إنسانية فحسب، بل أداة لتبرير العنف، والنخوة أيضاً ليست كونها فعل تضامنٍ حرّ، بل وسيلة لإدامة فعل الولاء للسلطة والقوانين البدوية القبلية. إنّ ما يبدو أخلاقاً سامية هو في جوهره وعيٌ زائف يربط الإنسان بسلاسل من المعاني الموروثة التي تبرّر التسلّط وتمنع التفكير العقلي النقدي. فالناس يقاتلون دفاعاً عن قيمٍ وُضعت أصلاً لحمايتهم، لكنها تُستَخدم لتكريس استعبادهم. في ذلك تكمن المفارقة الكبرى، أن يُستَعبد الإنسان باسم كرامته، وأن يُقتل باسم شرفٍ لا يملكه إلا القوي.
بنية تعيد إنتاج الاستبداد وتكرّره في صورٍ وأشكال متباينة عبر التاريخ
وحين نُسقِط هذه البنية الفكرية على الواقع السوري الراهن، نكتشف أننا لم نغادر بعد فضاء حرب البسوس. فالقوى التي ترفع اليوم رايات الإسلام السياسي وتدّعي تمثيل الدين ليست بعيدةً عن روح "كليب" الذي احتكر الماء والنار والأرض باسم السيادة. إنها تحتكر المجال والفضاء الروحي باسم الله، وتحوّل الإيمان والعقيدة إلى أداةٍ للهيمنة السياسية والاجتماعية. ما تفعله هذه القوى هو إعادة إنتاجٍ ما هو منتج مُسبقاً، ذات المنطق القديم؛ تحويل ما هو مشترك إنساني إلى ملكيةٍ خاصة، وفرض تفسيرٍ واحدٍ للحقيقة على مجتمعٍ شديد التنوّع في معتقداته وثقافاته وهُويّاته. فكما كان "كليب" يمنع القبائل من المرور أو الصيد إلا بإذنه، تحاول هذه التيارات أن تمنع الإنسان من التفكير أو التعبير إلا من خلال لعبتها ولغتها المقدّسة وحدها.
الطائفية التي ترافق هذا المشروع ليست مجرّد تفرّق أو انقسامٍ ديني، بل نظامٌ اجتماعيّ واقتصاديّ جديد يوزّع الامتيازات على أساس الانتماء العقائدي المذهبي، لا على أساس المواطنة أو الكفاءة. الطائفة تتحوّل إلى ما يشبه "الملكية الرمزية" التي تختزل فيها كلّ مسوّغ، وكلّ فعلٍ وكلّ رؤية، والتي يُعرَّف من خلالها ماهية التمييز بين الحقّ والباطل، المؤمن والمارق. بهذا المعنى، يصبح الدين غطاءً لحماية السلطة ومسوّغاً لها، والعقيدة أداةً لضبط الجماعة وإلغاء دورها في إدراك مصالحها الحقيقية. وما يُقدَّم على أنه صراع بين إيمانٍ وكفرٍ ليس في جوهره إلا صراعاً على من يمتلك الحقّ في تعريف الحقيقة، ومن يُسمَح له بالحديث باسم الله.
المفارقة الكبرى، أن يُستَعبد الإنسان باسم كرامته، وأن يُقتل باسم شرفٍ لا يملكه إلا القوي
بهذا المعنى، يعيد الواقع السوري إنتاج الصراع بين "جسّاس وكليب" بلغةٍ معاصرةٍ، كليب الجديد هو السلطة الحاكمة التي تحتكر الرأي العام وقراره ومصيره، وتفرض وصايتها وقيمها ومقدّسها باسم العقيدة والمذهب، وجسّاس الجديد هو كلّ فئةٍ أو طائفة مهمّشةٍ تحاول أن تنتزع صوتها، لكنها لا تزال أسيرة وعيها المذهبي الذي يقيّدها بقيم الطاعة والانغلاق. الفرق الوحيد أنّ الأسلحة تغيّرت، بينما البنية النفسية والاجتماعية بقيت كما هي. فالصراع اليوم ليس حول ناقةٍ أو بئرٍ، بل حول من يمتلك القوة وينتزع الاعتراف وتمثيل الأكثرية، من يمتلك القوّة في وراثة التاريخ، وشرعية تفسير النصوص وتَمَثُلها؟ ومن يقرّر كيف ينتظم الناس وكيف يعيشون؟ ومن يحتكر تعريف مفهوم الوطن وتحديد شكل الهُويّة؟
التحرّر الحقيقي لا يمكن أن يتحقّق ما دام الإنسان يعيش داخل هذا الوعي الموروث الذي يُخضعه باسم القيم ذاتها التي يُفترض أن تحرّره. إنّ تجاوز هذا النمط من الصراعات يتطلّب وعيًا جديدًا يرى في العدالة الاجتماعية، والمشاركة السياسية، والمساواة بين المواطنين، الشروط الأساسية لبناء وطنٍ إنسانيٍّ حديث. فالمشكلة ليست في الدين ذاته، بل في تحوّله إلى جهازٍ أيديولوجيٍّ يُستخدم لتبرير السيطرة. وحين يصبح المقدّس أداةً دنيويةً للحكم، يتحوّل الإيمان إلى قيدٍ يمنع الناس من التحرّك نحو المستقبل.
الإنسان لا يولد حرّاً لمجرّد أنه يرفض الظلم، بل حين يمتلك الوعي الذي يجعله يدرك جذوره وأدواته وآلياته
ضمن هذا المنظور يمكن القول إنّ خلاص السوريين لن يأتي من عودةٍ إلى الماضي والتماهي معه، ولا من تمجيد الأسلاف أو إعادة إنتاج نظام حياتهم وانقساماتهم، بل من تفكيك البُنى التي تحوّل القيم إلى أدوات قمع. المطلوب ليس حرباً جديدة، بل المطلوب وعي جديد يرى في التنوّع مصدرَ قوةٍ لا تهديداً، وفي الاختلاف ضرورةً للحياة لا مبرّراً للإقصاء. حينها فقط يمكن تحويل المأساة التي بدأت في حرب البسوس إلى درسٍ للتحرّر لا لعنةٍ تتكرّر. فالإنسان لا يولد حرّاً لمجرّد أنه يرفض الظلم، بل حين يمتلك الوعي الذي يجعله يدرك جذوره وأدواته وآلياته.
إنّ التاريخ لا يعيد إنتاج نفسه إلا حينما يعجز الناس عن فهمه. وما لم يدرك السوريون أنّ الطائفية ليست قدراً بل نظامُ استغلالٍ متخفٍّ، وأنّ الدين لا يجب أن يستخدم ساحةَ صراعٍ سياسي، بل فضاءً للمعنى الإنساني المشترك، فإنّ "البسوس" ستظلّ تتكرّر في ثوبٍ جديد، وسيستمر البحث عن جسّاسٍ آخر يقتل كليباً آخر، من دون الانتباه إلى أنّ كليباً تلو كليب يولد كلّ يوم. إنّ الخلاص الحقيقي والنهائي لا يكون بقتل الطاغية، بل بتحرير العقل من الطغيان الذي يسكنه ويحمله ويتوارثه، وبناء وعيٍ يرى الإنسان لا القبيلة، الوطن لا الطائفة، والعدالة لا الهيمنة. بهذا يمكن إغلاق الدائرة التي بدأت منذ قرون، وتحويل الأساطير والخرافات والقصص الشعبية إلى وعيٍ تاريخيٍّ يفتح أفقاً لمستقبلٍ أكثر إنسانية.