حرامي كتب ولا أفتخر (1/2)

حرامي كتب ولا أفتخر (1/2)

07 يونيو 2021
+ الخط -

... وقبل عدة سنوات، كنت ستقرأ هذا العنوان كما كان ينبغي له أن يكون: "حرامي كتب وأفتخر"، لكنني الآن أصبحت أباً، و"بناتي على وشّ إمتحانات"، ولا أظنه يرضيك أن تقرأ إحداهن مقالة أفتخر فيها بسرقاتي للكتب وأنا صغير، فيغريها ذلك بالاقتداء بي، فتذهب إلى مكتبة مدرستها العامرة بالكتب، لتسرق منها ما خف حمله وغلا ثمنه، وحين تُضبط متلبسة، لأنها لن تكون موهوبة في سرقة الكتب مثل أبيها، كما أرجو وأتمنى، ستقول لهم بالتأكيد إنها لم تفعل سوى ما كان يفعله أبوها من قبل، ومن شابه أباه فما ظلم، لذلك كان مهماً أن أبدأ حديثي عن تجربتي في سرقة الكتب بإعلان عدم الفخر، ثم أعقب ذلك بإدانة سرقة الكتب أبشع إدانة، والتأكيد على أن السرقة ليس فيها سرقات صغيرة بريئة وأخرى كبيرة مدانة، فالجريمة واحدة، سواءً إذا تمكنت من سرقة مجلدات الموسوعة البريطانية، أو كنت حصيفاً واكتفيت بسرقة "السي دي" الذي توجد عليه تلك المجلدات.

ولأن كتابة كهذه تهدف بالأساس إلى الوعظ وضرب الأمثال ونشر العبرة، دعني أؤكد لك أنني توقفت عن سرقة الكتب، بمجرد أن أصبح لدي ما أكسبه، وأنفق منه على شراء الكتب، وأنني بدأت سرقة الكتب لأسباب لا علاقة لها بالحرمان الطبقي وغياب العدالة الإجتماعية، فقد بدأت فعل ذلك من باب التمرد والعِند، نكاية في المرحوم أبي الذي كان يحب كتبه حباً جماً، فكان يغلق عليها غرفة المكتبة، نعم كان هذا اسمها، فمحسوبك نشأ في بيت به غرفة كاملة متوسطة الحجم اسمها المكتبة، تمتلئ من أم سقفها إلى أخمص أرضيتها بدواليب محملة بالكتب، من بينها عشرة رفوف على الأقل، تفيض حتى الحواف، بكتب للأطفال والبراعم والزهور والفتيان والناشئة والطلائع، ومع ذلك فقد كان الاقتراب من الغرفة وكل ما فيها، أمراً محرماً على الكل، إلا في وجود أبي الذي كان ناظر مدرسة، لكنه على ما يبدو كان لديه حلم شخصي مجهض، بأن يكون أمين مكتبة، ولذلك فقد كان يشترط أن يكون مرور الكتب من خلاله وحده لا شريك له، لتكون قراءتنا لها طبقاً لأولوياته الشخصية، التي كان على رأسها القصص الدينية، والتي لم أحب منها سوى (قصص الحيوان في القرآن) للكاتب الجميل أحمد بهجت، والتي أحببتها أولاً من خلال رسوم الفنان الكبير إيهاب شاكر البديعة التي كانت تصاحبها.

كان أسوأ ما في الأمر، أنني كنت مضطراً في الوقت ذاته، لقراءة الكتب التي كان يختارها لي أبي، لأن أبي كان يحب أن يناقشني فيها، ليتأكد من إدراكي عظات تلك الكتب وعِبرها

بدأت مشواري في سرقة الكتب، ذات يوم قرر فيه أبي أن يمنحني أنا وإخوتي جولة حرة في المكتبة، يسمح لنا فيها بتصفح الكتب دون اختيارها، ويومها وقعت عيني على مجموعة كبيرة من كتب كامل كيلاني، الكاتب الذي لا يدرك الكثيرون عظمته وأهمية دوره حتى الآن، سحرتني أغلفة تلك الكتب التي كانت دار المعارف تختار لها فنانين في غاية المهارة والإبداع، وحين طلبت من أبي أن يختار لي بعضاً من تلك الكتب التي كانت تحتل رفاً بأكمله في أحد الدواليب، قال إن سني ليس مناسبا لقراءتها بعد، وحين اعترضت على القرار، اعتبر أبي ذلك قلة أدب تستوجب حرماني أصلاً من دخول المكتبة في جولات تالية، والاكتفاء بانتظار ما يختاره لي من كتب، ليتدخل الشيطان مشكورا، ويقترح عليّ حلاً وسطاً، يحقق رغبتي في قراءة ما يحلو لي من كتب، دون أن أغضب أبي وأعكر صفوه، وهو أن أقوم بسرقة مفتاح غرفة المكتبة، الذي يحتفظ به أبي في سلسلة مفاتيحه، التي لا تفارقه أبدا، إلا حين ينام، لتختلط شهوة استغفال الأب وتحدي قوانينه، بالرغبة العارمة في المعرفة الحرة، وينتج عن ذلك الخليط براعة في اللصوصية، لو لم تكن في سبيل القراءة وحدها، لما أتيت بذكرها أبداً.

كان أبي يحرص بعد عودته من المدرسة، على القيلولة كل يوم، لينام لمدة ساعة ونصف بالدقيقة، قبل أن يستيقظ لصلاة العصر، ولأن نومه كان "نوم شَقا"، فقد كان ذلك يسهل مهمتي في اختلاس سلسلة مفاتيحه، بأقل قدر ممكن من الضجة، قبل أن أغادر الغرفة دون أن ينتبه أحد إخوتي، أو تضبطني أمي التي كانت لحسن الحظ قد ثبتت ذلك الوقت بالذات، ليكون مخصصاً لتحضير الدروس التي ستقوم بتدريسها في المدرسة في اليوم التالي، قبل أن يصحو أبي وتتوالى مطالبه.

ولأن الإنسان في لحظة الخطر يكتشف مواهبه المكبوتة، يدهشني الآن أن أتذكر كيف كنت في كل مرة، أحرص على اختيار عدد وحجم الكتب التي أنتقيها، لكي أنجو من عواقب الانجراف وراء النّهَم إلى الكتب ذات الأجزاء، والتي يمكن لغيابها أن يثير شبهات أبي، خاصة وقد كان تفقد أرفف المكتبة، من رياضاته المفضلة، ولم أكن أدري وقتها الفائدة التي سأكسبها من جراء العناء الذي كنت أعيشه، حين أتوقع مسار القصة التي قرأت جزءها الأول، حتى أكمل جزءها الثاني في اليوم التالي، فتصيب هذه التوقعات حيناً، وتخيب أحياناً، وهو ما كان سببا في اكتسابي عادة معارضة القصة التي لم تعجبني تطوراتها، لأقوم بكتابة نسختي الخاصة منها في كشاكيل، كنت أحرص على تخبئتها، أكثر من حرصي على تخبئة عدد مجلة (بوردا) لملابس البحر، الذي سرقته هو الآخر من دولاب أمي، لأسباب معرفية مغايرة.

كان أسوأ ما في الأمر، أنني كنت مضطراً في الوقت ذاته، لقراءة الكتب التي كان يختارها لي أبي، لأن أبي كان يحب أن يناقشني فيها، ليتأكد من إدراكي عظات تلك الكتب وعِبرها، وقد كان الكثير منها كتباً "فيها العِبَر" بالفعل، ومع أن بعضها كان لطيفاً جداً، مثل الكتب التي كان يؤلفها محمد عطية الإبراشي في سلسلة (المكتبة الخضراء)، التي حرصت على شرائها لبناتي حين كبرت ثم اكتشفت أنها لن تناسب أذواقهن التي تشكلت في عصر مختلف، إلا إن إجباري على قراءة تلك الكتب، كان يجعلها ثقيلة على قلبي، فضلا عن أنني بعد فترة من الاستمتاع بقراءة الكتب المسروقة، أصبحت "أستتفه" الكتب التي يختارها أبي، بعد أن تجاوزت مضمونها الطفولي السهل، وأصبحت أقرأ الأساطير اليونانية والإغريقية والملاحم الفارسية وقصص التاريخ الفرعوني وحكايات التراث العربي والروايات العالمية التي كان كامل كيلاني يعيد كتابتها بأسلوب شديد الإمتاع.

يحضرني الآن بالتحديد كتاب كان لون أوراقه غريباً جداً، برتقالي ربما أو شيء من هذا القبيل، كان من تأليف الكاتب الكبير عبد التواب يوسف، وكان يحكي في الكتاب عن بعض من أساطير اليونان والفرس، والتي تسرد صراع الآلهة مع بعضهم على مصير الكون، وكان يفصل بين القصص رسوم لا أذكر اسم مبدعها، لكن ذاكرتي مسكونة حتى الآن، برسم يصور من يفترض أنهما إلهان فارسيان، لكل منهما جسم مقاتل يرتدي درعا ورأس أسد، ويشهر كل منهما سيفا في وجه الآخر، وبعد أن قرأت ذلك الكتاب، حدثت في مدرستي واقعة مدوية، حين تم ضبط زميل لنا دأب على سرقة سندوتشات زميل آخر، كانت أمه تتوصى به في السندوتشات كل يوم، وقرر مدرس الدين الأستاذ عبد الباسط، أن يلقي علينا حديثاً حاراً عن عاقبة السرقة، تطرق فيه إلى عقوبة قطع اليد التي قررها الله على السارق، حفظاً للمجتمع من الضياع، ولأن الأستاذ عبد الباسط كان موهوبا في وصف مشاهد الجحيم والعذاب أكثر من أي شيئ آخر، فقد ظللت لفترة أعاني بعد حديثه من كابوس مفزع، أرى فيه إلهاً فارسياً برأس أسد، يخرج من جيب بنطلون أبي، كلما امتدت يدي إليه لسرقة سلسلة المفاتيح، ثم ينهال على يدي بسيفه ليقطعها، فأصحو صارخاً من شدة الرعب، وهو ما فسرته أمي مسّاها الله بالخير تفسيراً غذائياً بأنني أفرط في العشاء أكثر من اللازم، وهو ما أدى إلى حرماني من نصف كمية العشاء لعدة أيام، إلى أن تمكنت من جمع شتات نفسي، لأستعيد كامل عشائي، وكامل متعتي بسرقاتي المعرفية المنتظمة.

....

نكمل غدا بإذن الله.