حديث البدايات
عبد الحفيظ العمري
عندما نبدأ أو نشرع في أي موضوع، يهاجمنا هذا السؤال الملحّ: من أين نبدأ؟ وما هي نقطة الانطلاقة الأولى للشروع في أي شأن من شؤون الحياة؟
تأمّلوا حيرة كل كاتب قصة أو رواية أو حتى مقال، وهو يبحث عن أولى الكلمات التي ستصافح القارئ في عمله الأدبي؛ فالكاتب يريد أن يقتنص انتباه قارئه من اللحظة الأولى، ولهذا يجب أن تكون البداية مشوِّقة ولافتة للنظر، حتى يستمر القارئ في متابعة العمل.
ومن أين نبدأ نحن في مشوار حياتنا اليومية؟
أليست البديهة تقول: من آخر ما انتهينا إليه؟
غير أني أستدرك فأقول: ليس دائماً؛ فالبدايات تختلف باختلاف ما نخطط له ونستعدّ من أجله.
وفي فنّ الرواية أو القصة ما يُسمّى بـ الفلاش باك (Flash back)، حيث يبدأ الراوي من غير نقطة البداية الفعلية، فيخلخل ترتيب الأحداث الزمنية للرواية لتحقيق بداية مؤثرة ومشوّقة في آن واحد.
أما بداياتنا الحياتية الكبرى فقد كانت منذ خلق آدم الأول، الذي حمل في ظهره ذريته كاملة – ونحن منهم بالطبع – وما كان ظهورنا على مسرح الحياة إلا تجسيداً لوجودٍ قديم في هذا الهيكل الإنساني المُسمّى الجسد. غير أنّ أرواحنا، كما تقول كتب التراث، كانت قبل ذلك بكثير؛ إذ إنّ العلم الحديث لم يحسم القول في كيفية تكوّن الروح.
بدايات تتلوها بدايات، ولا يزال الإنسان في كل مرة يبدأ من جديد، ليخوض طوراً جديداً، ويدخل آفاقاً لا حدّ لامتدادها
وكم هي البدايات في حياة الإنسان؟
نحن ما نكاد ننتهي من شأن حتى نبدأ آخر، ثم آخر، وهكذا دواليك. فكم بدايةً نملك؟
إن الإنسان محصور ضمن قيود الزمان والمكان وقوانين البيولوجيا والجينات التي تتحكم في كثير من تفاصيله؛ وكلُّ هذه القيود تجعل لكل شيء بداية ونهاية بطبيعة الحال. فالزمان والمكان – كما يخبرنا علم الكونيات (Cosmology) – كلاهما ذو بداية، نشأت في لحظة الانفجار العظيم (Big Bang)، الذي لا ماضي له ولا مكان قبله؛ بل هو اللحظة التي خُلق فيها الزمان والمكان معاً.
فإذا كانت القيود المحاصِرة للإنسان لها بداية، فالإنسان نفسه – من باب أولى – له بداية أيضاً.
وكل عمل يقوم به الإنسان يمثل لحظة انفجار عظيم تخصّ ذلك العمل. ولو أدرنا رؤوسنا نحو التاريخ لوجدنا البدايات كثيرة ومتتابعة؛ فالإنسان بدأ استخدام النار قبل خمسمائة ألف سنة، وبدأ الزراعة قبل أحد عشر ألف عام، ودخل التاريخ بالكتابة قبل ستة آلاف سنة. وبالكتابة بدأت الحضارة على ضفاف الفرات في العراق القديم قبل خمسة آلاف عام، وفي الوقت نفسه تقريباً بدأت التكنولوجيا الأولى مع صهر المعادن في العصر البرونزي. وهكذا تتعاقب البدايات.
فهل تنتهي البدايات؟
طبعاً لا… إلا بانتهاء الزمان والمكان والإنسان نفسه. فهذا الكائن لا يزال يكرّر لعبة البدايات التي مارسها عبر تاريخه الطويل؛ فمن عصر الفحم (الثورة الصناعية)، إلى عصر الذرّة، ثم عصر الفضاء، ثم ثورة الكمبيوتر والاتصالات، ومن بعدها عصر الهندسة الوراثية والثورة البيولوجية… إلى… إلى… إلخ.
بدايات تتلوها بدايات، ولا يزال الإنسان في كل مرة يبدأ من جديد، ليخوض طوراً جديداً، ويدخل آفاقاً لا حدّ لامتدادها، ولا ينتهي عندها البدء، بل يستمر.