حاتم علي.. التغريبة الأخيرة

03 يناير 2021
+ الخط -

لم يصدمني هذا "الاحتفاء الحزين" برحيل حاتم علي، بقدر ما صدمني رحيلُه نفسه. ولعل كلمة "احتفاء" لا تصلح للحديث عن الغياب، فهيَ إنما تُستخدم للحديث عن الحضور، وهذا مُبرر استخدامها، فبرحيل مُبدع كحاتم علي فإن حضورهُ في الذاكرة الجمعية سيزداد، ذلك أن رحيل المؤثرين عادةً ما يترك خلفهُ عواصفَ لا تهدأ بسهولة.

حاتم علي، ذلك النازح، اللاجئ، رُبما لم يكن يعلم بأنهُ سيكون ابنًا لثلاث تغريبات، تغريبتهُ الأولى الجولانية بعد هزيمة حزيران 67، وهيَّ التي تشكل امتدادًا لتغريبة الفلسطينيين باعتبارهم ضحايا لعدوٍ واحد، (إسرائيل والحاكم العربي المستبد) وأخيرًا تغريبته السورية، وهي التغريبة الأكثر قسوةً وعُمقًا.. التغريبة التي تستحق إذا ما انتهت بالموت أن توصف بالأبدية.

لا أبالغ إذا تجرأتُ على تصنيفهِ ضمن قائمة طويلة من المبدعين السوريين إلى جانب نزار قباني ومحمد الماغوط وسعد الله ونوس وغيرهم الكثير من الأسماء التي تركت بصمتها وتأثيرها في التاريخ والفن والثقافة والقيم والأخلاق على حدٍ سواء.

حاتم علي، الذي خرج من الفقر والحياة في هوامش العاصمة وعشوائياتها، كدح منذ البداية وعمل بجدٍ وتفانٍ على تقديم مشروع فني جاد، مُتكامل، وحامل لقضايا الأمة والمُجتمع.

استطاع حاتم علي أن يترك انطباعاً إيجابياً لدى عموم السوريين والعرب، حيث اقترن الحكم المُسبق على أي عمل من إخراجه بالنجاح والانتشار والقبول

جمع شتات القضية الفلسطينية وأعلن ولادتها في الوعي مجددًا، من خلال العمل الملحمي الخالد "التغريبة الفلسطينية" وجمع شتات التاريخ من خلال ثلاثية الأندلس (صقر قريش - ربيع قرطبة - ملوك الطوائف) بالتعاون مع السيناريست اللامع وليد سيف.

أعاد إحياء التراث الشفهي وحولهُ بتوليفة إبداعية تشاركية إلى واحد من أهم المسلسلات التاريخية العربية وهو "الزير سالم"، ووضع المشاهد العربي أمام خلاصة الإبداع من خلال الإضاءة على السيرة العطرة للخليفة عمر بن الخطاب في العمل الدرامي الضخم "عُمَرْ".

كما عالجت أعمالهُ الاجتماعية قضايا لا تعد ولا تحصى في المجتمع السوري، لا سيما مسلسل  "الفصول الأربعة" بجزئيه، والذي بات مرجعًا لحياة السوريين الذين أفقدتهم المأساة ذلك الحب وتلك الحميمية التي تفيض من مشاهد هذا العمل.

استطاع حاتم علي أن يترك انطباعًا إيجابيًا لدى عموم السوريين والعرب، حيث اقترن الحكم المُسبق على أي عمل من إخراجه بالنجاح والانتشار والقبول.

لقد خلف رحيلهُ المفاجئ كثيرًا من التساؤلات، فمن يا ترى لديه القدرة على سرد الرواية الأهم، والأكثر تراجيدية في هذا الزمن، وهي رواية الُحلم والوجع السوري. من يستطيع أن يوثق ذاكرة الثورة، والدم، والقمع، والاعتقال، والموت تعذيبًا وسجنًا؟ من سيوثق ذاكرة الحرب والدمار، ذاكرة المدافع والطائرات والبراميل المتفجرة؟ من سيروي قصة التغريبة السورية، قصة الشتات والتمزق والرحيل إلى أقاصي الدُنيا بحثًا عن حياة؟

ها هو حاتم علي بعد منفاه الكندي البارد، يرحل وحيدًا، غريبًا على مقربةٍ من منفاه الأول الدافئ، دمشق التي سيوارى ثراها، قبل أن يجيب عن تساؤلاتنا المريرة هذه. لا بد أنه كان أحد أهم مكتسبات الحركة الفنية السورية، وبرحيله خسرت سورية أحد أهم أعمدتها الفنية والإبداعية.

دلالات