جزائر جديدة... لكن بوجوه قديمة!
جموعٌ من الناس لا يعرف آخرها من أوّلها. شرفاتُ منازل مُغطاة بالأعلام الوطنية. شمس حارقة وحرارة تُلقي بشدّتها على وجوه مملوءة بالأمل. زغاريد الجدات وابتسامتهن المُختلطة بدموع الفخر والحسرة. أعين مترقبة أمام شاشات التلفاز، شعارات وأهازيج تصدح بها الشوارع الممتلئة: "الشعب يريد اسقاط النظام."
كانت هذه الصور تتدفّق في ذهني وأنا جالس في سيارتي في مدينة بسكرة بعد ثلاث سنوات من الحراك الشعبي. أستمع لاتهامات وصراخ شرطي نسي التزاماته تجاه أولئك المُناط به حمايتهم؛ هل حقًا كان سبب كلّ هذا الاحتقان هو عدم قانونية تصويري لنفسي، أم كوني، بالنسبة لهم، مواطنا يعرف حقوقه ولا يخشى الدفاع عنها؟
لا بُدّ أنّ كبرياءهم كان من زجاج إلى درجة أن تُحاط سيارتي بعدها بأربعة ضباط آخرين أمروني بالخروج، لتتم بعدها مصادرة هاتفي، ثم اقتيادي إلى مركز الشرطة، حيث سأقضي الساعات الخمس التالية في الاستجواب من دون محامٍ، ومن دون أن يكون لي الحق في مكالمة هاتفية.
أمروني خلال جلسة الاستجواب بفتح هاتفي عدّة مرات، تحت الإكراه، ومن دون مذكرة تفتيش. بعد ذلك تمّ إخلاء سبيلي، من دون توجيه أيّ تُهم قانونية ضدي، ولكن ليس قبل أن أُؤمر بمسح الفيديو المسجّل. ذلك اليوم جعلني أتساءل عن نوع البلد الذي كنت أعيش فيه، وما إذا كانت الأمور قد تغيّرت في الدولة التي استحقت اللقب الذي يطلقه عليها العديد من مواطنيها (كوريا الشمالية لقارة أفريقيا) نحو الأفضل أو الأسوأ. كان ذلك يوم صحوة شخصية.
الجزائر، دولة تُدار بالأسماء الخفية والأذرع الأمنية لا بالقوانين المؤسّساتية
بعد ثلاث سنوات على تلك الحادثة، كنت قد غادرت البلاد، حيث وجدت نفسي أدرس الصحافة في معهد مرموق، وأتناول فنجان قهوة مع أحد أساتذة علم الاجتماع السياسي، أحد القلائل الذين لا يزالون يملكون شجاعة الحديث عن "الوطن". داخل مكتبه البسيط، كنا قد انغمسنا في لعبة نقاش فكري. ولدهشتي، لم أصدّق ما كنت أسمعه. كان هذا الأستاذ، عندما تعلّق الأمر بآرائه حول سياسة البلاد، يبدو كصوت من داخل زحمة الصمت. فأنا، مثله، ومثل العديد من أبناء جيلي، أدركت منذ فترة طويلة هوية أولئك الذين حقًا يديرون البلاد التي يبلغ عدد سكانها 46 مليون نسمة.
الجزائر، دولة تُدار بالأسماء الخفية والأذرع الأمنية لا بالقوانين المؤسّساتية. بسبب هذه المعادلة، كان الوطن غارقًا في حلقة مُفرغة من عدم الكفاءة المُزمنة. ساعدني أستاذي الكريم على إدراك عمق هذه الهّوة السحيقة عندما ذكر أنّ ''تبون (الرئيس الجزائري) نفسه كان لاعبًا في السياسة الجزائرية منذ 1989''، أي قبل ولادتي بخمس سنوات. فلقد كان الحراك مجرّد عثرة سريعة في عملية التناسخ السياسي لنظام يعيش في زمن لا يتحرّك، زمن تتكرّر فيه الأوجه وتتغيّر فيه الأقنعة. فكلّ ما قام به الحراك هو استبدال الواجهة المدنية للنظام وحسب، من دون معالجة العلاقة بين العسكري والمدني، وهو الذي كان الهدف الرئيسي للاحتجاجات؛ الإشراف المدني على السلطة. أعادت تصريحات أستاذي إلى ذاكرتي صور رئيس أركان الجيش الجزائري السابق، أحمد قايد صالح، خلال الحراك، عندما كان لتصريحاته وإطلالاته المتلفزة تأثير أكبر من تلك التي كان يدلي بها الرئيس المؤقّت آنذاك، عبد القادر بن صالح. في ذلك الوقت والآن، فإنّ حقيقة أنّ نفس الأشخاص الذين كانوا يطالبون بالتغيير لم يروا في ذلك أيّ معضلة، لا تزال تُذهل العقل. أعتقد أنّ الجزائريين في نهاية المطاف لم يأخذوا العبرة من معاني رواية 1984، بحيث إن ثورتهم لم تؤدِّ في النهاية إلى مزيد من الوعي.
من المؤسف أنّ الجزائريين فشلوا في الاستفادة من زخم وحجم احتجاجاتهم وسمحوا لأنفسهم بالانخداع بانتخابات صورية
والآن، وبينما يحاولون البقاء على قيد الحياة خلال ولاية تبون الثانية، يبدو أنّ هناك تأمّلاً في الماضي وتطلّعاً للمستقبل. لقد تبدّدت نشوة السعادة التي انبعثت في أعقاب الإنجازات الظاهرية للحراك بسبب الواقع القاتم لنظام أكثر استبدادًا. من المؤسف أنّ الجزائريين فشلوا في الاستفادة من زخم وحجم احتجاجاتهم وسمحوا لأنفسهم بالانخداع بانتخابات صورية بينما تنازلوا عن حقّهم في الحرية والازدهار مقابل "الاستقرار والأمن". والآن، ليس لديهم أيّ منهما.
ومع ذلك، ومع اقتراب البلاد يومًا بعد يوم من الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي الانتخابات التي من المفترض أنّ الرئيس الحالي عبد المجيد تبون لن يكون له الحقّ في الترشّح لها بعد ولايتين اثنتين، لم يتبيّن بعد ما سيحدث في غضون أربع سنوات. ستأتي أوقات يبدو فيها هذا الصراع مستحيلاً، عندما يشعر المواطن بالضعف أمام السلطة الغاشمة للنظام. لكن الحرية هي فكرة نقية لأنها تحدث تلقائيًا ومن دون توجيهات. ومن ناحية أخرى، يتطلّب الاستبداد جهدًا متواصلا، فالسلطة يمكن أن تكون بالفعل هشّة، والقمع كان دائمًا قناع الخوف. للجزائريين الآن أمل متجدّد في المجهول، وهو أمل مرهون بقدرتهم على التعلّم من أخطائهم في 2019 وتعبئة عقلهم الجماعي نحو اختيار مسار أفضل لبلدهم.