ثمن الشهامة في الشارع المصري
إيمان عادل
لم تكن جدران الحارات المصرية العتيقة مجرّد أحجار صامتة تشهد على تفاصيل الحياة اليومية للبسطاء، بل كانت على مرّ العقود شاهداً على ميثاق اجتماعي غير مكتوب، تعارف عليه المصريون وأسموه "الجدعنة". هذا الميثاق الذي يجعل من كلّ عابر سبيل حارساً للشارع، ومن كلّ شاب أخاً كبيراً لكلّ فتاةٍ تمرّ في حارته. لكن الطعنات الغادرة والطلقات الطائشة التي اختطفت أرواحاً بريئة في السنوات والأيّام القليلة الماضية، لم تخترق أجساد هؤلاء الأبطال فحسب، بل اخترقت قلب هذا الميثاق الأخلاقي، ووضعت المجتمع بأكمله أمام سؤال مصيري مرعب: هل أصبحت الشهامة مُغامرة غير مأمونة العواقب، يدفع صاحبها حياته ثمناً لها؟
إنّ ما يثبت عمق هذه الأزمة ليس فرضيات مُتخيّلة، بل سجلات حقيقية مُعمّدة بالدم من دفاتر محاكم الجنايات المصرية وقسم الحوادث في الصحف. ولعل البداية الأكثر دوياً تعود إلى خريف عام 2019 في مدينة تلا بمحافظة المنوفية؛ حين انتفض الطالب محمود البنا، الذي عُرف لاحقاً بـ"شهيد الشهامة"، دفاعاً عن فتاة من جيرانه تعرّضت للمعاكسة والضرب في الشارع من قِبل شاب يُدعى محمد راجح. محمود لم يكتفِ بالتصدي الشفهي بل انتقد السلوك علناً، ليدفع حياته ثمناً بعد أيّام قليلة حين ترصّد له الجاني برفقة أصدقائه وسدّدوا له طعنات قاتلة في وضح النهار هزّت وجدان الرأي العام المصري.
وهذه القصّة المريرة لم تكن نهاية المطاف، بل تكرّر جوهرها المأساوي مؤخّراً في يونيو/ حزيران 2026 بقلب حي العمرانية في الجيزة، عندما لبى الشاب فادي (22 عاماً)، الذي كان يستعد لحفل تخرّجه الجامعي بعد أيّام، استغاثة جاراته من النساء عقب تهجّم مجموعة من الخارجين عن القانون عليهن؛ فلم يتردّد فادي في التدخّل لحمايتهن ومنع الاعتداء، لكن رصاصة غدر أطلقها رئيس العصابة، وليد كشري، أنهت أحلام الشاب في ثوانٍ معدودات ليموت شهيداً لشهامة الجيرة. وفي الشهر نفسه من صيف 2026، شهد حي منشأة ناصر بالقاهرة مأساة مُماثلة تماماً، حيث سقط شاب في العقد الثالث من عمره قتيلاً بجرح قطعي في الرقبة، بعدما تدخّل بشجاعة لإنقاذ فتاة لا يعرفها من مخالب مُسجَّل (مجرم) خطر استمرّ في التحرّش بها ومُضايقتها في الشارع. ولم تقتصر هذه الحوادث على العاصمة، ففي قرية الرملة بمركز بنها في القليوبية، دفع شاب آخر في ريعان شبابه حياته ثمناً لموقف رجولي حين تصدّى لمن حاولوا النيل من كرامة فتاة على كورنيش بنها، ليسقط مضرجاً بدمائه بسلاح أبيض وسط ذهول المارة.
شهدت مؤسسة "الفتوة" في مصر تحوّلات سوسيولوجية وجيلية حادة، تبرز التناقض الصارخ بين قيم الماضي والواقع المعاصر
إنّ تتبّع خريطة المروءة في الشارع المصري يكشف أنّ تضحيات الرجال تمتدّ إلى كلّ الأشكال، فلم تقف عند حدود منع التحرّش بل تعدّتها إلى نجدة الملهوفين من الكوارث الطبيعية والحوادث. ففي محافظة الإسماعيلية، سطّر الشاب حسن أحمد حسن ملحمة إنسانية فريدة عندما رأى سيارة ركاب تسقط في مياه الترعة وتوشك على الغرق. وعلى الرغم من أنّه لا يجيد السباحة بشكل احترافي، إلا أنّ اندفاعه لإنقاذ غيره جعله يتمكّن من انتشال 13 فتاة، واحدة تلو الأخرى، إلى برّ الأمان. وقبل أن يستوعب الحاضرون حجم الإعجاز، خارت قواه تماماً وابتلعته المياه ليموت غرقاً واهباً الحياة لغيره. وبالروح البطولية نفسها، ضحى سائق شاحنة وقود بحياته في مدينة العاشر من رمضان عندما اندلعت النيران في مقطورته المُحمّلة بالبنزين؛ فبدلاً من الهروب والنجاة بنفسه، قاد الشاحنة المُشتعلة بأقصى سرعة ليمرّ بها بعيداً عن الكتل السكنية ومحطّات الوقود المُجاورة منعاً لكارثة إنسانية مُحقّقة، ليلفظ أنفاسه الأخيرة مُتأثّراً بحروقه البالغة بعد أن حمى آلاف الأرواح. حتى في ثنايا الخلافات اليومية، تظهر ضريبة الإصلاح بين الناس قاسية، كما حدث مع الفتى عبادة (لم يبلغ 16 عاماً) في محافظة الشرقية، والذي كان يعمل لحّاماً وبادرت براءته لفضّ مشاجرة عنيفة وتلاسن بين شقيقين كاد أحدهما يفتك بالآخر، ونتيجة تدخله المُصلح، تلقى طعنة مطواة طائشة من أحد الشقيقين ليُفارق الحياة قبل وصوله إلى مستشفى منيا القمح المركزي.
ولفهم هذه التحوّلات السلوكية الحادة في المجتمع، لا بُدّ من العودة إلى الجذور التاريخية وتأمّل ما طرأ على الشارع المصري من تغيّرات؛ إذ شهدت مؤسسة "الفتوة" في مصر تحوّلات سوسيولوجية وجيلية حادة، تُبرز التناقض الصارخ بين قيم الماضي والواقع المعاصر. ففي مصر القديمة والقرن الماضي، كانت "الفتوة" بمثابة سلطة أهلية مُوازية تعكس مفهوم "ابن البلد" وحامي حمى الحي؛ حيث كان الفتوة يمثّل صمّام الأمان لفقراء منطقته، يفضّ النزاعات، ويردّ المظالم، ويحمي النساء من أيّ اعتداء خارجي، ملتزماً بـ"كود أخلاقي" صارم يحرّم استخدام القوّة ضدّ الضعيف أو المسالم، وهو النموذج الذي خلّدته أدبيات نجيب محفوظ. أمّا اليوم، ومع تآكل تلك الحواضن الاجتماعية التقليدية، تحوّلت الظاهرة في كثير من الأحياء إلى ما يُعرف بـ"البلطجة العشوائية" أو فرض السيطرة بقوّة السلاح الأبيض والمخدرات؛ حيث استُبدل "درع الحماية القديم" بـ"فائض قوة" طائش لا يعبأ بالقانون ولا يلتزم بأيّ وازع أخلاقي، فصار البلطجي المُعاصر يهاجم الشارع وأهله بدلاً من حمايتهم، ما جعل مواجهته من قِبل الشباب الشرفاء مغامرة محفوفة بالموت، وضريبة باهظة تُدفع من دماء أبطال "الجدعنة" الحديثة.
استُبدل "درع الحماية القديم" بـ "فائض قوة" طائش لا يعبأ بالقانون ولا يلتزم بأي وازع أخلاقي
إنّ هذه الوقائع الحقيقية المُتناثرة بين أوراق المحاضر الرسمية ترسل إشارة تحذيرية بالغة الخطورة إلى المجتمع؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة هذه الأرواح النبيلة، بل في الأثر النفسي والتربوي التراكمي الذي تتركه في وعي الشارع. عندما تشاهد الأُسر مصير محمود وفادي وحسن، يهرع الآباء والأمهات إلى تحذير أبنائهم بعبارات "امشِ بجوار الحائط"، و"ابتعد عن المشاكل"، وهي عبارات، وإن كان دافعها الخوف الغريزي، تمثّل معاول هدم تدريجية لقيم النجدة العربية والمروءة المصرية. وإذا استسلم المجتمع لهذه النغمة، وتحوّل الناس إلى مجرّد "متفرجين" يكتفون بتصوير الجرائم بالهواتف لرفعها على السوشيال ميديا، فسنكون أمام شوارع باردة موحشة يسودها الجبن وتصبح الغلبة فيها للخارجين عن القانون.
إنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلّب استراتيجية حاسمة تبدأ بتغليظ التشريعات الجنائية الخاصة بحيازة الأسلحة البيضاء في الفضاء العام لتتحوّل من جنحة إلى جناية مُشدّدة، والتعامل مع مجرّد إشهار السلاح باعتباره شروعاً في قتل مع سبق الإصرار، بالتوازي مع تفعيل منظومة "الشهامة الذكية" بالتدخل الجماعي لأهل المنطقة بدلاً من المواجهة الفردية القاتلة، فضلاً عن أهمية تخليد أسماء هؤلاء الأبطال مجتمعياً ورعاية أسرهم لتبقى رسالة الدولة واضحة بأنّ الشهامة لا تضيع سدى. إنّ حماية الشهامة في مصر ليست رفاهية، بل هي حماية لآخر حصون الأمان الأخلاقي في شوارعنا.