توم برّاك… مهندس الشرق الأوسط الجديد
لم يعد الشرق الأوسط يُدار اليوم عبر الخطابات الكبرى ولا عبر الحروب المفتوحة، بل عبر هندسة هادئة للصراعات، وضبطٍ محسوب للفوضى، وإدارة طويلة الأمد للأزمات بدل حلّها. في هذا السياق، يبرز اسم المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، بوصفه أحد العقول التي تعمل في الظلّ، لا باعتباره صاحب قرار سيادي، بل "مهندسَ سياسات" يساهم في إعادة تشكيل الإقليم وفق منطق جديد: لا انتصارات حاسمة، ولا هزائم نهائية، بل توازنات هشّة قابلة للاستمرار.
لا يظهر توم برّاك في واجهة الإعلام، ولا يتحدّث بلغة أيديولوجية صاخبة، لكن حضوره يتجلّى في المسارات، لا في التصريحات. هو جزء من مدرسة سياسية غربية ترى أنّ الشرق الأوسط لم يعد قابلاً لإعادة البناء على نموذج الدولة القومية القوية، وأنّ الخيار الأكثر واقعية هو إدارة التفكّك بدل محاولة إنهائه. من هنا، لا يتعامل برّاك مع الدول على أنها كيانات سياسية متكاملة، بل ملفات أمنية، واقتصادية، واجتماعية منفصلة، لكلّ منها أدوات ضبط مختلفة.
أهمية توم برّاك لا تنبع من موقعه الرسمي فحسب، بل من توقيت حضوره؛ إذ يأتي في مرحلة انتقلت فيها السياسات الغربية من التدخّل العسكري المباشر إلى النفوذ غير الصدامي، ومن مشاريع "التغيير الجذري" إلى استراتيجيات "الاستنزاف المنخفض الكلفة".
سورية: إدارة الجمود بوصفه حلاً
في الملف السوري، يمكن قراءة الدور الذي يمثّله توم برّاك بكونه تحوّلاً نوعياً في المقاربة الغربية. لم تعد سورية مشروع إسقاط نظام، ولا دولة مرشّحة لإعادة الإعمار السياسي. أصبحت، في هذه الرؤية، حالة تجميد طويلة الأمد.
الهدف لم يكن إنهاء الصراع، بل منع انتصار كامل لأيّ طرف، والإبقاء على تعدّد مراكز النفوذ، واستخدام العقوبات لتكون أداة هندسة سياسية، لا وسيلة أخلاقية.
لم يكن الهدف في سورية إنهاء الصراع، بل منع انتصار كامل لأيّ طرف
في شرق الفرات، مثلاً، لم تُبنَ سلطة بديلة للدولة بقدر ما أُنشئ نموذج قابل للضبط، مرتبط بالاقتصاد والأمن أكثر من ارتباطه بالسيادة. وفي بقية الجغرافيا، جرى التعامل مع النظام السوري باعتباره أمراً واقعاً يجب احتواؤه لا شرعنته، وإضعافه لا إسقاطه.
هكذا تحوّلت سورية إلى مختبر مفتوح لإدارة التفكّك، حيث يُسمح بالصراع أن يستمر ضمن حدود، من دون أن يُسمح له بالانفجار أو الانتهاء.
لبنان: الانهيار المضبوط
أما في لبنان، فتبدو المقاربة أكثر قسوة. لم يكن الهدف إنقاذ الدولة، بل منع انهيارها الكامل. سُمح بانهيار الاقتصاد، وتفكّك المؤسسات، وتآكل الطبقة الوسطى، مقابل الحفاظ على خط أحمر واحد: عدم الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة.
في هذه الرؤية، لم يعد لبنان دولة تُدار، بل أزمة تُدار. تُستخدم الانهيارات المتتالية بكونها وسيلة ضغط، من دون تقديم حلول جذرية، ومن دون كسر موازين القوّة القائمة. حتى ملف سلاح الفاعلين غير الدولتيين لم يُقارب بمنطق المواجهة، بل بمنطق الاحتواء الطويل، وربطه بتوازنات إقليمية أوسع.
لم يعد لبنان دولة تُدار، بل أزمة تُدار
لبنان هنا ليس ساحة حسم، بل ساحة رسائل؛ رسالة إلى الداخل بأن لا خلاص سريعاً، ورسالة إلى الخارج بأنّ الفوضى يمكن السيطرة عليها من دون تكلفة عالية.
العراق: الساحة القادمة
إذا كانت سورية مختبر التفكّك، ولبنان نموذج الانهيار المضبوط، فإنّ العراق يبدو الساحة القادمة لإعادة هندسة النفوذ. دولة مرهقة بالحروب، واقتصاد ريعي هش، وتعدّد فاعلين مسلّحين، وانقسام اجتماعي عميق، تجعل منه بيئة مثالية لتطبيق مقاربة توم برّاك.
السيناريو المرجّح لا يتجه نحو صدام مباشر مع النفوذ الإيراني، بل نحو تفكيك تدريجي لمصادر القوّة، واستخدام الاقتصاد والطاقة أدواتِ ضغط، وتوظيف الاحتجاجات من دون السماح بتحوّلها إلى ثورة شاملة.
إذا كانت سورية مختبر التفكّك، ولبنان نموذج الانهيار المضبوط، فإنّ العراق يبدو الساحة القادمة لإعادة هندسة النفوذ
العراق، وفق هذه الرؤية، ليس دولة يجب استعادتها، بل توازن يجب ضبطه. لا انهيار كاملاً، ولا نهوض حقيقياً، بل حالة وسطية تُبقي الجميع محتاجين إلى وساطة الخارج.
مهندس لا يرسم خرائط
اللافت في المقاربة التي يمثلها توم برّاك أنها لا تسعى لإعادة رسم حدود الشرق الأوسط، بل إلى إعادة تعريف معنى الدولة نفسها. الدولة هنا ليست سيادة ولا عقداً اجتماعياً، بل قدرة على ضبط الأمن، وإدارة حدٍّ أدنى من الخدمات، ومنع الفوضى الشاملة.
بهذا المعنى، فإن توم برّاك لا يوقّع على خرائط جديدة، بل يحدّد سقوف القوة، ويضبط إيقاع الصراع، ويقرّر متى يُترك الملف ليبرد، ومتى يُعاد تسخينه. الشرق الأوسط في هذه الهندسة ليس مجموعة دول، بل سلسلة ملفات قابلة للإدارة.
تقوم المقاربة التي يمثلها توم برّاك على فرضية مركزية: الحلول الجذرية مكلفة وغير مضمونة، بينما إدارة الأزمات أقلّ كلفة وأكثر قابلية للاستمرار. لكنها، في الوقت ذاته، تطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً: هل ما يُهندَس هو الاستقرار، أم مجرّد إطالة عمر الفوضى؟
قد تنجح هذه السياسات في منع الانفجارات الكبرى، لكنها تُنتج مجتمعات مُنهكة، وأجيالاً بلا أفق، ودولاً بلا معنى. فالهندسة التي لا ترى الإنسان، ولا تسعى للعدالة، قد تحافظ على الهدوء، لكنها تزرع بذور انفجارات مؤجّلة. وفي شرق أوسط يُدار ولا يُحلّ، يبدو توم برّاك أقلّ من مهندس سلام، وأكثر من مدير أزمات دائمة.