تعال اقترح عنواناً لهذا المقال يا عمّار

تعال اقترح عنواناً لهذا المقال يا عمّار

20 يونيو 2021
+ الخط -

أقول وخيرُ القول ما انعقد بالصواب، وخيرُ الصواب ما تضمَّنَ الصدق، وخير الصدق ما جلب النفع. حقيقة، يغمرني الفرح كلّما صدر أحد الكتب الجديدة لمؤلف من مدينة إدلب في الشمال السوري، هي مدينتي التي ولدتُ فيها ومن حقي الفرح لحظات في هذا الحزن المقيم، أعرف أهل إدلب جيداً، وأحببتُ الحياة فيها، ويكفيني، حتى أُحبها أكثر، أن الأديب الكبير حسيب كيالي ولد فيها، وكان من أهلها، وضمّن من شخصياتها الكثير من المواضع في مؤلفاته الروائية والقصصية والمسرحية، وحتى في قصائده الشعرية، المنشور منها وغير المنشور، وكان يحمل "هموم" أهلها في حلّه وترحاله.

واليوم أحتفي بمجوعة قصصية صدرت حديثاً عن دار موزاييك للدراسات والنشر في إسطنبول للقاص السوري عمّار الأمير تحت عنوان "أبو صخر". جاءت المجموعة في 188 صفحة من القطع المتوسط، 38 قصَّة ومقدمة. عمّار الأمير من إدلب، وهو ابن أحد أشهر رجالاتها في النصف الثاني من القرن العشرين، يحمل لقباً مشهوراً "مواس" وكنّا لا نعرف له اسماً آخر، جاء "مواس" فعلى الأطفال الهروب والاختباء قبل أن يكمش أرجلهم و"يقطش" لهم "تبعهم" أو "البتاع" على حد تعبير "أبو النجوم" أحمد فؤاد نجم. ومع ذلك أكثرنا مرَّ بين يديه كُرهاً، عندما كنّا أطفالاً، نعم، كان "مُطهرنا" رحمه الله، آلاف مؤلفة من أطفال مدينة إدلب وريفها "قطش" لهم ذلك الشيء الذي تمنع الرقابة في عصرنا الأغبر هذا من ذكر اسمه الصريح، مع أن الاسم ذُكر كثيراً في كتب تراثنا، وكان يُذكر من قبل كبار كتابنا، كالجاحظ والتوحيدي والراغب الأصفهاني. كلا، لن أذكر اسمه هنا حتى لا تمنع الرقابة مقالي هذا، والقارئ الفطن عرف اسم "البتاع" الذي نتحدث عنه بكل تأكيد.

قد تكون الحالة الأولى، حالة الصياد ذي الطلقة الوحيدة، هي حالة كاتب القصة القصيرة

 

في العموم، لنتخيل صياداً في غابة، وليس معه إلا طلقة واحدة، وفجأة يتراءى لهذا الصياد نمر مندفع نحوه، فهل سيصيب هذا الصياد النمر بطلقته والوحيدة، أم أن على صاحبنا أن يسلم أمره لغريمه، فيصطاد النمر الصياد، إذا ما أخطأت الرصاصة هدفها؟ وبالمقابل، لنتخيل حالة أخرى، أو صياداً آخر ومعه طلقات كثيرة - نحن في حالة حرب - يتراءى لهذا الصياد، على امتداد سهل فسيح، ومن خلف مكمنه شبه الآمن، سرب طرائد متنوعة، يختار منها الصياد ما يشاء، فإذا لم تصب الطلقة الأولى، فقد تصيب الطلقة الثانية، أو الثالثة، هذه الطريدة، أو تلك. مع ملاحظة التقدم الهائل في أسلحة الصيد.

قد تكون الحالة الأولى حالة الصياد ذي الطلقة الوحيدة، هي حالة كاتب القصة القصيرة. وقد تكون الحالة الثانية حالة الصياد متعدد الطلقات والطرائد، هي حالة الروائي، ففي القصة القصيرة، إما أن تُصيب هدفك مباشرة، وفي الصميم، فتنجو بنفسك، أي تنجح في كتابة قصة جيدة، وإما أن تخطئ الهدف فتكتب قصة رديئة، أما "الثالث" فمرفوع كما يقول المناطقة.

فهل أصاب صيادنا عمّار الأمير طريدته في طلقة واحدة، وكتب قصة جيدة على حدّ تعبير الأديب الكبير يحيى حقي - وعلى فكرة ما أوسع الشبه بين حسيب كيالي ويحيى حقي - والذي اقتبستُ منه حكاية الصياد والطريدة والقصة القصيرة من إحدى مقدمات مجموعاته القصصية التي لا أتذكَّر الآن عنوانها في بلاد الغربة التي نحن فيها حيث بقيت مؤلفات يحيى حقي في مكتبتي في إدلب.

أنهيتُ قراءة قصص مجموعة "أبو صخر" في ساعات قليلة وفاجأتني لغة القصّ، لأنني لم أعهدها من عمّار الأمير، اللغة المستعملة جميلة، سلسلة، سلسبيل، كأنها ماء فرات. الكلمات وتركيب الجملة يتدفقان بعفوية ظاهرة لا تخفى على كل لبيب. وهذه اللغة تختلف اختلافاً بيّناً عن عهدي بها في مجموعتيه السابقتين "جاسوسة الملائكة" و"شتيمة موصوفة". كيف ذلك يا عمّار؟ أقول لك: في مجموعة "أبو صخر" اللغة عالية، على حد تعبير صديقنا اللغوي الكبير "عارف حجاوي" فيها هذه الحميمية في السرد الذي يرافق القصص الناجحة، وبكل تأكيد قصص المجموعة ناجحة، ويكفيك أن تقرأ قصة "التربية بالخرطوم" لتُدرك ذلك، ومن أسباب نجاحها هذه "اللغة العالية" حتى لغة الحوار يمكننا القول بأنها كانت بديعة.

لا تظن أنني أمدحك هنا يا عمّار، كلا ليس الأمر كذلك، مع أن المجموعة تستحق المديح، ولكن ليس هذا ما قصدته. قصدي أنك انتقلت من سوية إلى سوية أخرى في اللغة تحديداً، وحسب ظني فإن مجموعة قصص "أبو صخر" مكتوبة في الفترة الأخيرة. هل يحتاج كلامي إلى إيضاح؟ يا سيدي في المجموعتين السابقتين لا يمكننا مديح اللغة بهذا القدر لأنها كانت متواضعة في مواضع كثيرة - إن صح التعبير - مدرسيّة، متكلّفة، لا ترفع من شأن الأدب القصصي، هذا ما قصدته، وهذه الطريقة في الكتابة لا تنجح لأنها متكلّفة جداً وتُفقد العمل الأدبي حميميته. مرة أخرى أقول اللغة في مجموعة "أبو بصخر" تختلف، وقد أدهشتني فعلاً، فهي عالية، فيها هذا الجمال اللغوي السهل الممتنع، تشبه لغة أديب إدلب الكبير حسيب كيالي - زيتنا في دقيقنا - والتي تُغريك بمتابعة القراءة، ما السر؟ يقول عمّار الأمير في الجواب: السر أنني أتغيّر، أتطوّر، أنمو، مع كل كتاب جديد أُطالعه، ومع كل كتاب جديد أعمل على تأليفه، السر أن شخصية "أبو صخر" واقعية، من لحم ودم، عشت معها عقداً من الزمان فجاء القص "مجبولاً" بهذه اللغة الحيّة الموحية التي تغرف من الحياة قدر ما تشاء.