ترى كيف يُعزَّى الأبناء في فقدان أُمهاتهم!
يصعب ألّا أبدأ هذه المقالة من دون أن أتقدم بالتعزية للزميل الصحافي جهاد أبو شمالة باستشهاد والدته بتاريخ 7 إبريل/نيسان 2026، أعانه الله على هذا الحزن الممتد.
قبل أشهر فقط، كنت قد أجريت مقابلة مع جهاد، وقال لي حينها عن فقده الأول، عن الحدث الذي لن ينساه ما عاش: استشهاد أخيه براء بين يديه في مستشفى شهداء الأقصى قبل التهدئة. واليوم، يستقبل جهاد والدته شهيدةً من المكان ذاته في أثناء تأدية مهامه الصحافية. وقد كان، قبل ساعات فقط، يجلس على جهازه اللاب توب، يدرس ويعمل بدأب كأي شاب غزي طموح، يخرج من بيته إلى مكان عمله، ولكنه لا يكفي أن يعود إلى بيته آمنًا مطمئنًّا.
"في يوم من الأيام، كنت قاعداً في الخيمة في مستشفى شهداء الأقصى، وكعادتنا، أول ما نسمع صوت الإسعاف، بنعرف في إصابات أو استهداف، بسرعة بنطلع من الخيمة. فأنا طلعت ومحضر الكاميرا، وفاتح ريكورد وبصور، فبتفاجأ المصاب أخويا. طلع حدا من أصحاب أخويا بيحكيلي: أخوك متصاوب. طفيت الجوال، حملت أخويا وجريت فيه على الاستقبال. كنت ماسك إيد أخويا لما شهق الشهقة الأخيرة. أخويا استشهد بين إيديا، وأنا بحاول، بس بحاول أعمله أي إشي. كان نفسي وقتها يصحى، كنت بلف حواليّ بدور على معجزة يصحى. هذا الموقف مستحيل أنساه للعمر كله". تقفز كلمات جهاد في رأسي، أتخيله، وأتساءل بذهول: كم أن الحياة قاسية إلى الحد الذي يسلب منك رفاهية المسافة، المسافة التي تتيح لك أن تأخذ أنفاسك!
لقد لحقت أمه بأخيه. حين مات ابنها حضرت أيام عزائه، استقبلت المعزّين وودعتهم بما يليق، ثم رحلت. لقد باغتتها رصاصة في مقدمة رأسها على إثر اشتباكات اندلعت شرق مخيم المغازي بين المواطنين ومجموعات مسلحة متعاونة مع الاحتلال بالتزامن مع تدخل جوي مكثف عبر طائرات مسيرة استهدفت المنطقة.
لقد قال لي جهاد إن أكثر ما يؤلمه هو الفقدان، وأنه يعيش بشكل دائم في حالة من الخوف من خسارة أحد من أحبته، مؤكدًا أن الفقد تجربة قاسية جدًّا. وأنه كان يتمنى يوميًّا انتهاء الحرب، خشية أن يفقد أحدًا من أفراد عائلته أو أصدقائه. وها قد تحققت الهواجس التي كنت تخشاها يا جهاد!
منذ تلقيت الخبر يا جهاد وأنا في حالة ذهول والله، وينتابني شعور واضح ولأول مرة بأن هذه الحياة فانية بكل برزخها. أعيد قراءة الخبر المنشور على مجموعة "الواتساب" وأجهش بالبكاء لأن ما يحدث يفوق قدرة العقل على الاستيعاب، ولأني كلما حاولت تقبل الواقع كما هو، وكلما ظننت أني تخطيت ومضيت في طريقي، يأتي ما يذكرني بكل الذين غادرونا على مدار العامين المنصرمين من إخوة وأصدقاء وعائلة وأساتذة جامعيين وزملاء.
سنظل نذكر هذه الأيام؛ لأنه وببساطة هؤلاء الزملاء هم أسرتنا الثانية، أسرة تشكلت على مدار الأيام والأشهر. جمعتنا الحرب وجاءت علينا واحدًا تلو الآخر حتى أضحى حزن أحدنا يخصنا جميعًا. إن الأصعب في تلقي هذا الخبر أنه جاء بعد عامين من الميتمة، وأعرف اليوم أكثر من أي وقت مضى أن غزة تشبه ذلك الضوء الكاشف الذي يسمح بإعادة النظر في المسلمات بما يسمح بقلب الموازين وخلخلة المستتب من القناعات.
نعم؛ لقد قلت سابقًا إنني لست في مجال الحديث عن حزني المركب إزاء حرب الإبادة الجارية في غزة، ولا عن حساب المكسب والخسارة، وعثرات الحكومة في غزة، وخيبات الأمل المتلاحقة في أدائها، ولا عن تكرار الخطاب الإعلامي السائد، وهو خطاب يكاد ما فيه من أكاذيب يصل حد المسخرة، وأن سوء الوضع الراهن في غزة، والإنساني على وجه الخصوص منه، وقتل المئات يوميًّا من المواطن الغزيين بشتى الطرق، يعطي المشروعية للمواطن بثورة على سطوة أي سلطة قابضة، ومواجهة القسوة الخانقة؛ ولكنني اليوم، كلما تأملت الواقع مرة أخرى، فشلت في فهمه.
حرب الإبادة الجارية في غزة، نعم أقول الجارية، فما معنى أن يقتل يوميًّا العشرات من الغزيين؟ لقد قالها ذات مرة نتنياهو إنه سحب جيشه من القطاع المحاصر، ولكنه ترك خلفه جيوشًا أخرى؛ من التاجر الفاجر، إلى المليشيات المسلحة، وكل الأزمات التي يحاصر بها الغزي.
أحاول أن أربط بين ما يجري في غزة، وإيران، ولبنان؛ لأن كل ما يحدث ينعكس على فعل الحياة وشكل استمرارها، تلك الحياة التي تخصنا نحن المنسيين على هذه الأرض، وتؤثر في قدرنا، وكأن مصيرنا أن نعيش هكذا، معلقين ما بين البين والبينين.
يا جهاد، لا أعرف كيف يعزى الأبناء في فقدان أمهاتهم، ولا كيف يمكن لهذا القلب أن يحتمل كل هذا الفقد المتراكم. كل ما أعرفه أن هذا العالم يضيق أكثر، وأننا نفقد قدرتنا حتى على الفهم، لا على الاحتمال فقط. وربما، في هذا كله، لا يبقى لنا سوى أن نشهد... وأن نحاول، عبثًا، أن نلتقط أنفاسنا.