تركيا بين الشرق والغرب: هل تقترب سياسة التوازن من نهايتها؟
على مدى أكثر من عقدين، نجحت تركيا في انتهاج سياسة خارجية أتاحت لها التحرك بين الشرق والغرب دون أن تنخرط بالكامل في أي منهما. فقد حافظت على عضويتها الفاعلة في حلف شمال الأطلسي، ووسّعت في الوقت نفسه علاقاتها مع روسيا، وعززت حضورها في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى. ولم يكن جوهر هذه السياسة الانحياز إلى محور بعينه، بقدر ما كان الحفاظ على أكبر قدر ممكن من حرية الحركة في اتخاذ القرار الخارجي. غير أن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم تطرح سؤالاً مختلفاً: هل تغيرت السياسة التركية، أم أن البيئة التي سمحت لها باتباع هذه السياسة بدأت تتغير جذرياً؟
لم تكن الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل كشفت عن بداية مرحلة جديدة في بنية النظام الإقليمي. فالحروب لا تعيد رسم موازين القوى فحسب، بل تعيد أيضًا تعريف أدوار الفاعلين الإقليميين وحدود نفوذهم. ومن هذا المنطلق، لا تكمن أهمية الحرب في نتائجها المباشرة فقط، وإنما في الأسئلة التي فرضتها على دول بنت استراتيجياتها على توازنات لم تعد قائمة بالشكل نفسه. ولعل تركيا تمثل أحد أبرز هذه النماذج، إذ تجد نفسها أمام بيئة تختلف بصورة متزايدة عن تلك التي أتاحت لها طوال العقدين الماضيين الجمع بين شراكات متعارضة دون أن تضطر إلى الاختيار بينها.
وطوال السنوات الماضية، لم يكن الهدف التركي هو الوقوف في منتصف الطريق بين الشرق والغرب بقدر ما كان الحفاظ على استقلالية القرار السياسي. وقد أتاح لها ذلك بناء علاقات متوازنة مع قوى متنافسة، والتحرك في أكثر من ملف إقليمي دون الاصطفاف الكامل مع أي محور. إلا أن البيئة الحالية تبدو أقل تقبلاً لهذا النوع من السياسات؛ فكلما ارتفع مستوى الاستقطاب، تراجعت قدرة القوى الإقليمية على البقاء خارج الاصطفافات الحادة، وأصبحت تكلفة التوازن أعلى مما كانت عليه في السابق.
وقد شكّلت الحرب على إيران اختباراً عملياً لهذا النهج. فمن جهة، دعت أنقرة إلى احتواء التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي انطلاقاً من قناعتها بأن اتساع الحرب سيترك آثاراً مباشرة على أمنها واستقرار المنطقة. ومن جهة أخرى، تجنبت الانخراط في أي اصطفاف مباشر محاولةً الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف. إلا أن الحرب أظهرت أيضاً حدود هذه المقاربة؛ فالقدرة على التواصل مع الجميع لا تعني بالضرورة القدرة على التأثير في قراراتهم، خاصة في ظل تصاعد المواجهات وتراجع مساحة الوساطات التقليدية.
الحروب لا تعيد رسم موازين القوى فحسب، بل تعيد أيضًا تعريف أدوار الفاعلين الإقليميين وحدود نفوذهم، وتفرض أسئلة مصيرية على دول بنت استراتيجياتها على توازنات قديمة
وتبرز سورية بوصفها الساحة الأكثر تعبيراً عن هذه التحولات. فقد يبدو للوهلة الأولى أن تراجع النفوذ الإيراني يمنح تركيا فرصة لتوسيع حضورها، غير أن القراءة الجيوسياسية تقود إلى نتيجة أكثر تعقيداً. فالفراغات الاستراتيجية في الشرق الأوسط نادراً ما تبقى من دون منافسة. ومع تصاعد الحضور الإسرائيلي، واستمرار الانخراط الأميركي، وسعي عدد من الدول العربية إلى تعزيز أدوارها، لم تعد سورية مجرد ملف أمني بالنسبة لأنقرة، بل أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية أوسع يعاد تشكيلها بعد الحرب. ومن هنا، فإن أي مكسب تركي محتمل قد يتحول في الوقت نفسه إلى تحدٍ جديد يتعلق بإدارة التنافس أكثر من توسيع النفوذ.
ولا يمكن فصل ذلك عن التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل. فالتصريحات المتبادلة خلال الأسابيع الأخيرة، والخلافات حول مستقبل سورية، والتباين في مقاربة الملفات الإقليمية، تعكس أن العلاقة بين الطرفين لم تعد تقتصر على خلافات سياسية مرتبطة بحدث معين، بل باتت ترتبط برؤيتين مختلفتين لشكل النظام الإقليمي الذي يتبلور بعد الحرب على إيران. وفي هذا السياق، لا يصبح الخلاف حول ملف بعينه هو القضية الأساسية، بل التنافس على تحديد قواعد التوازن الجديدة في الشرق الأوسط.
ويزداد هذا المشهد تعقيداً مع التحولات التي تشهدها الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. فالتنافس لم يعد يدور حول النفوذ العسكري فقط، بل حول الممرات التجارية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والموقع الذي ستشغله كل دولة في الاقتصاد الإقليمي الجديد. ومع مشاريع مثل الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسطي–الأوروبي، ومحاولة تركيا تعزيز موقعها حلقةَ وصل بين آسيا وأوروبا، باتت الجغرافيا والاقتصاد يتداخلان بما يجعل الحفاظ على سياسة التوازن أكثر تعقيداً.
في المحصلة، لا تبدو تركيا أمام اختبار يتعلق بقدرتها على الموازنة بين الشرق والغرب فحسب، بل أمام اختبار لقدرتها على الحفاظ على النموذج الذي حكم سياستها الخارجية طوال العقدين الماضيين.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل ستنحاز تركيا إلى الشرق أم إلى الغرب؟ بل: هل سيترك النظام الإقليمي الجديد لتركيا أساساً فرصة للاستمرار في سياسة التوازن التي ميّزت سياستها الخارجية، أم أن مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط ستفرض عليها، كما على غيرها من القوى الإقليمية، إعادة تعريف موقعها وتحالفاتها بصورة أكثر وضوحاً؟