تحالف الفوضى

10 يوليو 2026
+ الخط -

عقب احتلال فلسطين عام 1948، شكّل التحالف الأميركي الإسرائيلي أحد أكثر التحالفات صلابةً في النظام الدولي المعاصر، فالتحالف الذي تجاوز إطار علاقات التعاون السياسي والعسكري والأمني والمساعدات السنوية الضخمة بين دولتين، انتقل، منذ نهاية خمسينيات القرن المنصرم، إلى تحالف "مقدس" في السياسة الخارجية الأميركية والوعي السياسي الإسرائيلي، حيث انصهرت التوجهات العقائدية والثقافية مع الأبعاد السياسية والأيديولوجية، فأصبحت "إسرائيل" الاستثناء الشاذ في قواعد السياسات الأميركية وتحالفاتها الدولية كافة.

لكن في خضم التطورات الإقليمية الأخيرة في المنطقة، خاصة بعد المواجهات الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وما رافقها من تحولات استراتيجية غير مسبوقة، برزت تساؤلات جوهرية ـ في الأوساط الأميركية ـ تتعلق بمصير هذا التحالف وجدواه للمصالح الحيوية الأميركية في المنطقة والعالم، فهل تحوّل التحالف إلى مصدر استنزاف دائم للنفوذ الأميركي وإنتاج الفوضى والاضطراب في الشرق الأوسط؟

لعقود طويلة، ظلت الإدارات الأميركية المتعاقبة تتعامل مع "إسرائيل" باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي، حتى إن حماية أمن الكيان عقيدة ثابتة في الدولة العميقة الأميركية، أسوة بحماية الاتحاد الفيدرالي والمجمع الصناعي العسكري، فيما يعتبرها جناح الصقور اليميني (المسيحية الصهيونية) "أرض الميعاد" والنجمة الحادية والخمسين في راية الولايات المتحدة!

فهي شراكة غير مشروطة: تعطي لإسرائيل الأولوية المطلقة في السياسة الأميركية تجاه المنطقة، حتى لو على حساب مصالحها أحياناً، وساحة مفتوحة لتكريس التفوق الإسرائيلي العسكري والسياسي، بينما تحتفظ السياسة الأميركية بإدارة مصادر الطاقة وتسويق منتجاتها وصفقات السلاح في الشرق الأوسط.

بيد أن البيئة الإقليمية والدولية تغيرت بصورة عميقة، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد حرب الإبادة على غزة واتساع ساحة الحرب إلى لبنان وسورية واليمن، ثم المواجهة الأعنف مع إيران، حيث كشفت جملة التطورات المتسارعة أن استمرار الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل لم يعد يحقق الاستقرار الإقليمي، بل أصبح، خاصة في عهد إدارة ترامب، أحد أبرز عوامل إنتاج الأزمات والفوضى.

والمفارقة أن إسرائيل، التي كانت توصف لعقود بأنها "حاملة المصالح الأميركية" في الشرق الأوسط، أصبحت في نظر عدد كبير من المؤثرين والإعلاميين والسياسيين الأميركيين مصدراً لتهديد المصالح الأميركية وتعقيد البيئة الاستراتيجية في مناطق النفوذ التقليدية، فيما تراجعت صورة الولايات المتحدة، - رمز الحرية وحقوق الإنسان - لدى الرأي العام العالمي، وظهرت فجوة عميقة بينها وبين حلفائها التقليديين في الغرب والشرق.

كما ساهم الانخراط الأميركي في حروب إسرائيل في زيادة موازنة المساعدات المالية والعسكرية للكيان، حيث قدمت الولايات المتحدة أكثر من (30 مليار دولار) خلال الفترة 2023 - مايو/أيار 2026، لدعم المنظومات الدفاعية والقدرات الهجومية، فضلاً عن (40 مليار دولار) فاتورة المواجهة مع إيران!

تغيرت البيئة الإقليمية والدولية بصورة عميقة، كاشفةً أن استمرار الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، لم يعد يحقق الاستقرار بل أصبح أبرز عوامل إنتاج الأزمات والفوضى

وفي ظل هذا التحالف، أصبحت المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار والفوضى، فتداخلت الحروب الجديدة في إيران، اليمن مع الصراعات التقليدية وقوى المقاومة في غزة ولبنان وسورية والعراق، وانعكست آثارها السلبية على أمن الخليج العربي وأسعار الطاقة وحرية الملاحة والممرات المائية وحركة التجارة الدولية.

وعليه، لم تعد المشكلة تكمن في طبيعة التحالف الأميركي الإسرائيلي، بل في نتائجه على المصالح الأميركية، لذلك، انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من التحليلات والقراءات، الأميركية والإسرائيلية، التي تشير إلى تراجع مكانة إسرائيل داخل الإدارة الأميركية، خاصة بعد بروز مؤشرات على وجود خلافات عميقة بين الجانبين إزاء كيفية إدارة الأزمات والحروب التي أشعل فتيلها كيان الاحتلال، لا سيما مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي امتعض منها نتنياهو ووزراؤه، وكذلك تنفيذ الاتفاق الإطاري مع لبنان.

ورغم أن الخلافات بين واشنطن وتل أبيب أقرب إلى اختلافات في آليات إدارة الأزمات، وليس في جوهر التحالف، فإن صيرورة تحوّل العلاقات تشير إلى انتقال التحالف - بوصفه أداةً أميركيةً - من دائرة حماية واستقرار الشرق الأوسط إلى عبء استراتيجي - إسرائيلي -، أصبحت كلفته السياسية والاقتصادية والعسكرية أعلى بكثير من عوائد المنفعة!

واستجابة لضغط الرأي العام الأميركي والقوى السياسية المطالبة بتخفيف حجم المساعدات الأميركية الخارجية، يجرى الحديث، ولأول مرة رسمياً، عن صياغة مذكرة تفاهم جديدة للمساعدات الأميركية لإسرائيل بحلول 2028، تنهي عقوداً من الدعم المالي المباشر واستبدال المساعدات بشراكة في الصناعات الدفاعية، فيما تبرر إسرائيل القرار برغبتها التحرر التدريجي من الاعتماد على المساعدات والسلاح الأميركيين!

لا يعني ما سبق حدوث تحوّل استراتيجي في صميم "تحالف الفوضى"، بقدر ما يؤشّر إلى محاولة أميركية رسمية - لأول مرة - لإدارة أزمات المنطقة بأقل التكاليف الممكنة ووفق ما تمليه مصلحتها الدولية ومكانتها العالمية.

فواشنطن تدرك أن تصاعد النزاعات والتوترات في الشرق الأوسط واستمرارها يهددان مصالحها وحضورها، ويستنزفان قدراتها العسكرية، والمواجهة مع إيران أثبتت هذا الاتجاه، كما أن هذا التحالف أضرّ بشكل لافت بشبكة مصالحها مع حلفائها العرب، فيما منح خصومها الدوليين، كالصين وروسيا، فرصاً عديدة لتعزيز نفوذهم الإقليمي وتعظيم مكاسبهم الاستراتيجية.

إن المعادلة الأمنية التي حكمت التحالف "المقدس" بين الطرفين لعقود لم تعد تحظى بإجماع المؤسسات الأميركية اليوم، بينما قوّض تحالف "الفوضى" مكانة واشنطن العالمية، وأصبحت معادلات الأمن والسياسة الخارجية الأميركية أمام اختبار تاريخي، قد يدفع واشنطن إلى إعادة تعريف حدود هذا التحالف وفق ميزان المصالح الاستراتيجية.

ياسر قطيشات
ياسر قطيشات
باحث وخبير ومؤلف في السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية، من الأردن.