تأجيج النزاع الأهلي
سلوى زكزك
يبدو المشهد مركباً؛ ندوات تُعقد في أماكن متعددة تحت عنوان السلم الأهلي في سورية، وحضور باهت لأشخاص يتكرر وجودهم في مثل هذه الفعاليات. ويمكن تقسيم هؤلاء إلى ثلاثة أصناف: الأول اعتاد الاستماع من دون اهتمام حقيقي، كمن يملأ حقيبة ظهره بأشياء غير مهمة على سبيل الاحتياط، أو للتباهي بأن حقيبته ممتلئة بما يغني ويفيد. أما الصنف الثاني، فهو من يرعى هذه الفعاليات ويجد فيها وسيلة تمنح منظمته اسماً مرموقاً وتقييماً إيجابياً، فضلاً عن نقطة أساسية تتمثل في ضرورة استمرار المنظمة وبقائها عبر عناوين براقة ولافتة تجلب دعماً مالياً ورصيداً مؤسساتياً، من حيث العدد والنوعية والحضور، لتتحول هذه العناوين فعلياً إلى مشاريع قائمة بذاتها. أما الصنف الثالث، فينطلق من قناعة وجدية شخصيات ما زالت تؤمن بأن حضورها مهم وذو جدوى، وما زالت ترى أن لديها ما تقوله، وإن تكرر، حتى لو لم يلقَ استماعاً أو اهتماماً من أحد.
ورغم الفاعلية الظاهرية لهذه الأطراف الثلاثة، بما تتضمنه من دعوات وقاعات وحضور وخلاصات ومخرجات وصور ومقابلات ودعاية وإعلانات ومديح وملاحظات وتوصيات، فإنها تبدو جميعاً وكأنها جموع من الكومبارس الذين تسيّرهم إشارات المخرج، من دون أدنى تركيز أو اهتمام حقيقي.
لماذا تفقد كل هذه الظواهر أهميتها، وتبدو كفقاعات هزيلة تذروها رياح الإهمال والإنكار والعبثية؟ لأن الحدث الحقيقي يجري على الأرض، ويُدافع عنه أولاً عبر عدم ردعه. نعم، تبدو الساحة مفتوحة ومشرعة أمام أشخاص يقررون مهاجمة حيّ بأكمله، يصلون مدججين بالعصي، وبخطابات التظلّم، وبالهتافات الطائفية الكارهة والرافضة حتى لوجود هؤلاء البشر الذين يشكلون حيّاً كاملاً متنوعاً في جذور انتماء سكانه، رغم أن غالبية السكان من الطائفة العلوية. يعتدون على أشخاص بالضرب والترهيب، ويحطمون المحال التجارية والسيارات، ويدمرون محتويات أكبر محل مرخص لبيع المشروبات الكحولية منذ عشرات السنين، ويدققون في هوية كل عابر للتأكد من طائفته، وبعد التعرف إليها يكون القرار بالفعل.
إنها ليست مجرد فورة انفعالية أو رد فعل على حادثة مباشرة؛ إنها قرار بالمواجهة، يستند إلى قوة السردية، واحتكار المظلومية، والاطمئنان إلى أن أحداً لن يمنعهم أو يحاسبهم
إنها ليست مجرد فورة انفعالية أو رد فعل على حادثة مباشرة؛ إنها قرار بالمواجهة، يستند إلى قوة السردية، واحتكار المظلومية، والاطمئنان إلى أن أحداً لن يمنعهم أو يحاسبهم أو يطلب منهم العودة من حيث أتوا. فهم لا يحملون ترخيصاً رسمياً، ومع ذلك يتحركون بحرية، في وقت جرى فيه قبل أسبوعين فقط منع اعتصام سلمي معلن للعامة والخاصة، واضح المطالب والشعارات، والتعرض للمشاركين فيه وإيقافه بذريعة عدم الحصول على ترخيص مسبق.
وقد أشار بعض المعلقين إلى أن هذه الحوادث لا تهدد السلم الأهلي كشعار فحسب، بل تهدده كواقع وممارسة، خصوصاً أنها تستعيد إرثاً مؤلماً وثقيلاً ساهم خلال عقود في تقويض السلم الأهلي، وبلغ ذروته في المواجهة الوحشية للثورة السورية. غير أن الخطر لا يكمن في الاستعادة بحد ذاتها، فالذاكرة المثقلة بالتوحش والظلم تحتاج إلى وقت طويل للتعافي، كما أن النسيان يبدو مستحيلاً، بل وغير مطلوب أصلاً. لكن التعافي يفترض أن يكون تدريجياً، عبر إجراءات وبرامج نوعية متخصصة.
أما ما يجري فعلياً من فسح المجال أمام اختراقات عصبية ومتطرفة في الخطاب والأسلوب، فهو استنهاض لذاكرة جديدة تؤسس لمظلوميات متفرقة، وتغرق في التنكر لضرورة إحياء السلم الأهلي والحفاظ عليه وتثبيته قاعدةً للعيش المشترك. وذلك مع شرط أساسي يتمثل في محاسبة جميع المتورطين والجناة، ولكن ضمن مسار عدالة انتقالية مُختبر وقابل للتطوير والترميم، يستند إلى قاعدة قانونية متخصصة وذات صلة.
إن ما يحدث يبدو وكأنه تكريس لمسار عدالة انتقائية وانتقامية، يغيب عنه الطرف المؤسساتي الراعي والضامن، وتُترك مهمة تنفيذه للعامة عبر التهديد والترهيب والمواجهة الشخصية والتخريب، مستفيدين من فائض القوة المعنوية والعملية. لذلك، لا بد من معالجة فورية تحول دون استبدال مسار تعزيز السلم الأهلي، المطلوب بإلحاح، بمسار معاكس ومدمر يتمثل في تعزيز النزاع الأهلي.