العقل المسيّر: بين غواية الخوارزميات ومأزق القيم العربية

23 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 17:48 (توقيت القدس)
+ الخط -

يبدو أنّ منصات الذكاء الاصطناعي مهما تَزيّت بزيّ العقلانية والمحايدة، فما برحت تعكس (بقصد أو من غير قصد) الأيديولوجية التي لُقِّنَتْها، وكأنها تقوم بإعادة تدوير قيم ثقافية معينة وتنميطها بصورة على أنّها كليات كونية، وإعادة إملائها على بلدان لم تُتحْ لها الفرصة للتعبير عن ثقافتها في البيئات الرقمية. وهنا نقف مليّاً لنفكّر كم نحن بحاجة لمساءلة الذكاء الاصطناعي ليس على المستوى التقني فقط؛ لأنه لم يعد موضوع الثقافات، وإنما فاعلاً بارزاً لها، إلى درجة أنّه صار يقرّر من تُضربُ عليه التهلكةُ ومن تُكتبُ له النجاة، ويمكن أن يتجلّى هذا الدور بما يسمّى "معضلة العَرَبَة".

بدأت "معضلة العربة" كنظريةٍ فلسفيةٍ أخلاقيةٍ تَسبحُ في عالم الميتافيزيقيا، تقومُ على تمحيص واختبار المبادئ الأخلاقية التي تحكم القرارات البشرية في المواقف الحرجة (التّراجِيدِيّة) المتعلّقة بتضحية روح بشريّة مقابل الحفاظ على روح أخرى أو مجموعة من الأرواح، ويمكن التمثيل لهذه المعضلة بعربة قطار لا يمكن إيقافها، وهي تسير نحو ثلاثة أشخاص مربوطين على السكة لا يمكنهم التحرّك، وأنت تقف بجانب الدَفة التي ما إن سحبتها حتى غيّرت مسار القطار إلى سكة أخرى مربوط عليها شخص واحد. وهنا تثور المعضلة الأخلاقية الكبرى؛ هل من الأخلاق أن تدع القطار يقتل الثلاثة؟ أم إنك تغيّر مساره لقتلِ شخصٍ واحد خير من ثلاثة؟ أم إنك تمتنع؟  

لربما، وإلى وقت من الأوقات، كانت هذه المعضلة حبيسة الخيال والتدرّب العقلي، إلا أنها لوهلة واحدة قفزت من عالم الميتافيزيقيا إلى فيزيقيا العالم الحسي، عبر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي كالمركبات ذاتيّة القيادة حينما تواجه قرارات تراجيدية.

قَوَّلت منصات الذكاء الاصطناعي سواء (الشرقية أم الغربية)، ثقافتنا الإسلامية والعربية ما لم تقل، ونسبت إليها ما لم تتبنَّهُ

وقد أفادت التجارب التي أُسقطت على بعض منصّات الذكاء الاصطناعي التي تُجسّد خلفيات ثقافية متباينة، عندما طُلب منها المفاضلة القسرية الافتراضية بين دهس (طفل صغير) أو (عجوز طاعن في السن)، ليُرى كيف تتفاعل هذه المنصّات في سياق الاختبار الأخلاقي، أيّهما ستدهس المركبة ذاتية القيادة، فَكَشَفتِ التجربةُ المستورَ، حيث وُجدَ أنّ منصات الذكاء الاصطناعي التي لُقّنت في الثقافة "الغربية"، عَمِدتْ إلى اتخاذ قرارات نفعية، تعكس أيديولوجية مبرمجها الذي يفضل حياة الطفل على المسن، وبتقصي الأسباب الدافعة لذلك، وُجد أنها أسباب مادية تركّز على التنمية الاقتصادية، إذ يُنظر إلى الطفل أنه أولوية استثمارية، بينما برز في الثقافة "الشرقية"، كالصين مثلاً، مقاربة ذات طابع تحفظيّ، فمنح الأولوية للعجوز على حساب الطفل، لأنه مصدر للحكمة والخبرة، فلا بدّ أن يستفاد منه، فضلاً عن الاحترام المكنون له في التقاليد الكونفوشيوسية. وللأسف، كلا الثقافتين يدوران في إطار براغماتي نفعي، حيث يفضّلان روحاً على حساب روح أخرى، إما بدافع الاستثمار المادي (التنمية الاقتصادية) أو بدافع الاستثمار المعنوي (استلهام الحكمة والخبرة)، والدافعان منافيان للأخلاق.

أما معضلة العربة في السياق العربي فلها مفارقة عمَّا خلاها من الثقافات المذكورة، حيث جاءت منحازة إلى ثقافة دون أخرى، وضحية هذا الانحياز كانت الثقافة الإسلامية والعربية التي أسّست لمنظومة عمادها التوازن القِيَمِي فلا شأن للغة الأرقام ها هنا، وإنما الشأن لحرمة الدم الإنساني مطلقاً، فلا أفضلية لكبير على صغير، أو لذكر على أنثى، ولا لكثرة على واحد، فالكل سِيّان في الحرمة وحفظ النفس، فالفلاسفة المسلمون قالوا في هذه المعضلة وشَبَهِهِا، يجب على الإنسان ألا يأتي بعمل من اختياره ليرجّح أحد على أحد، وإنما يترك الأمور لمجراها الطبيعي.

وعلى الرغم من ذلك عندما سُئلت منصّات الذكاء الاصطناعي سواء (الشرقية أم الغربية)، قَوَّلت ثقافتنا الإسلامية والعربية ما لم تقل، ونسبت إليها ما لم تتبنَّهُ، حيث أفادتا أن ّثقافتنا تُرجّح حياة الطفل على العجوز، وهذا ما لا يعكس بحال من الأحوال قيمنا العربية على وجه التحقيق.

وهذا نوع جديد من أنواع الهيمنة الثقافية الرقمية، والإذعان التكنولوجي، فيبدو أنّ الأممَ أصبح لديها هُويّة رقمية غير الهُويّة الطبيعية، فسارعت إلى إثبات هذه الهُويّة في العالم السيبراني، ورسختها كما هي في الواقع المادي للعلاقات الدولية، أما العرب على الرغم من هُويّتِهم الطبيعة التي تعاني من الاندثار والتلاشي في خِضَمِّ هيمنة وغطرسة الدول الكبرى، فلا تكاد تجد موطئ قدم لها في عالم الذكاء الاصطناعي.

إذاً، نحن بأمس الحاجة لتوطين الذكاء الاصطناعي في منطقتنا العربية بما يتماشى وقيمنا الإسلامية وبيئتنا العربية.