بين المعرفة والإلغاء
لم يكن عالم الاجتماع كلود ليفي شتراوس، في كتابه "الفكر البري"، يدافع عن الأسطورة بوصفها نقيضاً للعقل أو حنيناً رومانسياً إلى الماضي، بل كان يفكك ادّعاء الحداثة احتكار العقلانية. فالتفكير، كما يبيّن، لا يحتاج إلى مختبر ولا إلى دولة كي يكون عقلانياً؛ إنه يعمل داخل بنى رمزية تنظّم المعنى والعلاقة بالجسد والطبيعة والموت. يلتقي هذا التفكيك مع مشروع ميشيل فوكو، الذي لم يفهم الحقيقة كتطابق مع الواقع، بل كأثر للخطاب، أي كنتيجة لشروط مؤسّسية تحدّد من يملك حقّ إنتاجها، وما الذي يمكن التفكير فيه أصلاً. من هنا، لا يعود الفرق بين التفكير "البري" والتفكير الحديث فرقاً في مستوى العقل، بل في درجة تسليح المعرفة بالمؤسسة.
غير أنّ هذا التحليل يبلغ حدوده القصوى حين يُطبَّق على سياق الاستعمار الاستيطاني. فهنا لا يعمل الخطاب بوصفه جهاز ضبط وتنظيم للحياة فقط، بل كأداة لإدارة وجود يُفترض أنّه مؤقّت. المعرفة لا تُنتج ذاتاً مُنضبطة فحسب، بل تُعيد تعريف السكان الأصليين بوصفهم فائضاً ديمغرافياً، قابلاً للإزالة أو الإحلال. في هذا السياق، لا يكون الإحصاء مجرّد تقنية عدّ، ولا الخريطة أداة تمثيل مُحايدة؛ بل ممارسات تُعيد تخييل الأرض نفسها كفراغ سياسي قابل لإعادة التسمية، وتفصل بين الأرض كحيّز مادي، والأرض كحقّ تاريخي قابل للاستمرار.
في فلسطين، يتجسّد هذا الصراع المعرفي بأقصى درجاته. فالاستعمار الاستيطاني لا يسيطر على الأرض فقط، بل يحتكر الخطاب: يسمّي الأشياء، يُعيد تعريف الواقع، وينتج الفلسطيني بوصفه ملفاً أمنياً أو حالة إدارية قابلة للضبط. غير أنّ جوهر هذا الخطاب لا يكمن في الإدارة وحدها، بل في منطق إحلالي يعمل على تقليص شروط الاستمرارية الفلسطينية، وتحويل الوجود إلى بقاء مشروط داخل أفق لا يعترف بحقّ الفلسطيني في المستقبل.
المعرفة لا تُنتج ذاتاً مُنضبطة فحسب، بل تُعيد تعريف السكان الأصليين بوصفهم فائضاً ديمغرافياً، قابلاً للإزالة أو الإحلال
في مواجهة هذا الخطاب المُسلّح بالمؤسسة، تستمر أشكال من المعرفة الفلسطينية يمكن تسميتها (مع ليفي شتراوس) بالتفكير أو الفكر البري: معرفة لا تمرّ عبر الأرشيف الرسمي، بل تُؤدّى بالجسد؛ ذاكرة لا تُكتب فقط، بل تُروى وتُغنّى وتُؤدّى في الجنازات والساحات والطقوس اليومية. هذه الممارسات ليست بقايا فولكلورية، بل أنظمة معنى تنظّم العلاقة بالأرض والزمن خارج منطق الدولة الاستعمارية. ومع ذلك، لا يمكن التعامل معها بوصفها مقاومة تلقائية أو خارج خطر الاحتواء؛ فقيمتها السياسية لا تكمن في رمزيتها وحدها، بل في قدرتها على تعطيل منطق الإحلال، لا الاكتفاء بالبقاء في هامشه الثقافي.
ولا يكتمل المشهد الفلسطيني دون التوقف عند السلطة نفسها. فمن منظور فوكوي، لا تُقاس السلطة بما تعلنه عن ذاتها، بل بما تمارسه على الأجساد والمعرفة. ورغم غياب السيادة الفعلية، تنتج السلطة خطاباً سلطوياً حديثاً قائماً على التنظيم والضبط وتعريف الفعل "المسؤول". لا تعمل هذه السلطة كبديل عن الاستعمار، بل كجهاز إدارة للسكان الأصليين داخل بنية استعمارية قائمة، يطبّع الجسد على انتظار دولة مؤجّلة، ويعيد إنتاج منطق الحكم ذاته من دون امتلاك أفق سيادي حقيقي.
من هنا، لا يكمن الإشكال في وجود السلطة بحدّ ذاته، بل في احتكارها تعريف الفعل المشروع والمعقول، وفي فصل السياسة عن سؤال الاستمرارية التاريخية. التفكير في أفق مغاير لا يعني قطيعة رومانسية أو مواجهة شاملة، بل البحث عن مساحات اجتماعية تُعيد وصل المعرفة بالأرض، والسياسة بالزمن، والفاعلية الفردية بأفق جماعي لا يختزل الوجود في شروط البقاء المُدار. فالسؤال الفلسطيني الجوهري ليس كيف نُدار بشكل أفضل، بل كيف نُبقي الوجود ذاته فعلاً غير قابل للإلغاء.