بيروت لا تموت

بيروت لا تموت

29 يوليو 2021
+ الخط -

ليلاً، يفترش الناس في بيروت الأسطح والشرفات. ليس لتغيير الأجواء والمزاج، إنما ليتمكنوا من النوم بلا كهرباء. الآن، في شهر يوليو/ تموز حيث "تغلي المياه في الكوز"، وبانتظار أغسطس/ آب "اللهاب"، درجة الحرارة تتجاوز الـ30 درجة في بلد يُعرف به اختصاصيو المناخ بأنه يتمتع بطقس معتدل نسبياً مع ارتفاع في مستوى الرطوبة. هذا يعني أن مرحلة "التحميص" للشعب في أوجها، والأطفال والمرضى هم الأكثر عرضة لنوبات الحساسية والحمى ومجموعة من الاضطرابات العارضة التي تظهر نتيجة التعرض لدرجات حرارة مرتفعة، مثل التشنج والإغماء والإجهاد وضيق التنفس.

هذا يمكن احتماله، لكن من الصعوبة تحمل الوضع النفسي المرتبط بالأزمات المعيشية والاقتصادية وطوابير الحصول على بنزين وانقطاع الأدوية من الصيدليات وفقدان سلع أساسية من الأسواق، والتي إن وجدت، فبسبعة أضعاف سعرها الاساسي بسبب انهيار قيمة الليرة اللبنانية حتى ناهز الدولار الواحد عتبة 25 ألف ليرة.

يبدو أن الجميع فقد الأمل بوطنه، إذ كان من المفترض أن تتحول صدمة الانفجار وسوء الأوضاع والشعور بالحنق، إلى إحساس بالغضب

يمر لبنان بمرحلة كئيبة، وجوه الناس في الشوارع مكفهرة وشاحبة والعيون تبدي قهراً كبيراً. في مقابل ذلك، تعيش بيروت الذكرى الأولى لانفجار المرفأ، وحتى الآن لم يقدم "المتهمون/ المجرمون" لمحاكمات. ولم يعرف ذوو الضحايا ماذا حصل في ذلك اليوم الدموي؟ ولماذا وقع الانفجار أصلاً؟ هذا كله مع أزمة الحكم والتوقع بالذهاب إلى "جهنم" أو المجهول، يجعل المواطنين في حالة اختناق، ليس بسبب انتشار فيروس كورونا وفقدان الأوكسجين من المستشفيات، إنما صحتهم النفسية في أدنى مستوياتها.

يبدو أن الجميع فقد الأمل بوطنه، إذ كان من المفترض أن تتحول صدمة الانفجار وسوء الأوضاع والشعور بالحنق، إلى إحساس بالغضب. لكن في بلد المفاجآت الدائمة، الغضب ما زال مكبوتاً يولد حالات تسكير للطرقات وحرق مكبات النفايات من دون تفريغه ضد المتسببين بما وصلت إليه البلاد.

ووسط اختناق وحريق بيروت، تدور الأحاديث عن كيفية الهجرة من لبنان إلى أي مكان فيه كهرباء على أقل تقدير. تستمع إلى سائق الأجرة، الطبيب، الشرطي، البائع.. كل طبقات وفئات المجتمع تبحث عن حلول فردية من دون التفكير بحلول جماعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ويفكر البعض باقتراب الانتخابات للانتقام من الطبقة الحاكمة، إلا أن المتشائمين أكثر من المتفائلين. وتقول سيدة تضررت من انفجار الرابع من أغسطس/ آب الماضي، إن "بيروت لا تموت".

جملة من ثلاث كلمات فيها أمل وتفاؤل، لكن هل هي واقعية؟ أفكر بها دوماً وأردد أن هذه المرأة السبعينية مر في حياتها شريط كبير من الأحداث، من حرب أهلية وعدوان إسرائيلي، وبكل تأكيد الخبرة تلعب دوراً في رؤية المستقبل.

دلالات