بوصلة الأوديسة: الشرقُ حربٌ والغربُ منفى
حين اتّضح ألا مفرّ من القتال، وأنّ حرب طروادة واقعة لا محالة، توسّلت ملكة إيثاكا، بينولوبي، إلى زوجها الملك أوديسيوس أن يرفض الانضمام إلى الحملة العسكرية المتّجهة شرقاً. همست بلوعة وهي تحتضنه في غرفتهما أن يهربا، أن يبحرا نحو الغرب. رفض الملك الاقتراح واعداً زوجته بالعودة. هذا ليس من قريحة هوميروس ولا يردُ في أوديسّته، لكنّه من خيال المخرج كريستوفر نولان في فيلمه الأحدث "الأوديسة". ببحثٍ مُستعجل لم أعثر لاقتراح رفض القتال والفرار غرباً مكاناً في أوديسّة هوميروس. بينولوبي لم تحاول منع زوجها من الذهاب إلى الحرب، ربّما خافت عليه في سرّها أو حدست بأنّه سيلاقي الأهوال، ولكنّ هوميروس صوّرها ملكةً قويّة وحازمة مُمهّداً لصمودها عشرين عاماً أمام ما هو ألعن وأفظع من الشوق إلى زوجها والخوف عليه.
أتى كلام بينولوبي "النولانية" في مشهد رومنسي مؤثّر، عبّر نولان من خلاله عن البُعد العاطفي الرقيق والعاصف للزوجين. أرادت بينولوبي الفرار "غرباً"، وقد ركّز مشاهدون كثيرون على هذه الكلمة لأسبابهم التي ليست في حسباني هنا، لا "اتّهام" نولان بتفضيل الغرب على الشرق وتقديس تفوّق الأوّل على الثاني، ولا عنجهية الغرب وعذاب ضميره من الحروب التي خاضها ومحاولات التطهّر منها. قد يكون الأمر ببساطة أنّ الغرب الذي أرادته الملكة الإغريقيّة هو عكس الشرق، حيث طروادة، حيث الحرب. حين حلمت بينولوبي بالفرار أرانا نولان مشهداً جميلاً للشمس فوق أمواج البحر الأبيض المتوسّط، لامتداد الأفق الموشّح بألوان الغروب، للرياح تدفع الأشرعة نحو وعدٍ أو ربّما أوهام. وحين نصل إلى خاتمة الفيلم سنرى أنّ ذاك المشهد لم يكن فقط لإضافة لمسة رومنسيّة على العلاقة الحميمة بين أوديسيوس وبينولوبي، بل كان غرسةً زرعها نولان في التربة الدراميّة ليحصد أُكلها في الختام، حين يقول الملك العائد وهو ينازع إنّ وقت الرحيل قد حان، فتتفجّع زوجته قبل أن يصحّح لها بأنّه لا يعني الموت بل الغرب! كما أرادت هي في البداية.
يُنفى أوديسيوس في نهاية ملحمته إلى الغرب، ويبحر بالفعل عقوبةَ قتلِه لأمراء إيثاكا وقادتها. شخصياًّ، لم أكن أذكر تفصيل "النفي غرباً" حين شاهدتُ الفيلم، وقد منعت نفسي عن إعادة قراءة الأوديسة أو تذكّر خطوطها العريضة قبل دخول صالة السينما لأنني لا أحبّ الانشغال بالمقارنة بين النصّ الأصليّ والعمل السينمائيّ، فكيف إذا كان النصّ هو ملحمة الأوديسّة، التي يتّفق كبار صنّاع السينما باستحالتها سينمائياً.
في ملاحم الإغريق، بقي الشرقُ موطنَ الحروب والغربُ منفى، وأيضاً نجاة، سواء من الحرب قبل حدوثها أو من كوابيس ما بعدها
لكنّي كنت أتذكّر سرير الزوجين الأسطوريّ وافتقدته أثناء مشاهدة الفيلم. في الأبيات الهوميريّة يبني أوديسيوس منزله حول شجرة زيتون عملاقة، ويجعل من جذورها سريره الزوجي، ثمّ لتختبر الملكة زوجها العائد متنكّراً ستطلب من الخدم نقل السرير إلى غرفة أخرى، لترى إن كان يعرف استحالة نقله. ينقل بعض من عمل مع نولان أنّه آثر إسقاط "السرير" لئلّا يشوّش على الحوار الوداعيّ الحميميّ لبطليه ويبطئ إيقاع نهاية الفيلم ومصير بطليه، أي الانتقال غرباً، إلى المنفى.
الغرب في الأوديسة هو المنفى، والشرق هو الحرب. العودة من الشرق إلى الوطن ثمّ إلى الغرب. هذا هو مسار أوديسيوس. كان الإغريق يعرفون ما يكفي عن الشرق، مهد الحضارات ولكن ليس لديهم ما يروي فضولهم عن الغرب. أمّا الغرب عندنا- نحن أهل الشرق- فهو ليس المنفى فقط، بل الاغتراب بذاته، ولا عجب أنّ كلمة غربة المشتقة من "غرب" ليس لها مرادف شبيه في اللغات الغربية. "وسترن" مثلاً ليس المتغرّب أو الغريب أو الذي يعيش في الغربة، يستعملون كلمات تتراوح بين: حاجّ، متجوّل، مرتحل...
أثناء التبّحر المُتعب في الترجمات الأجنبيّة لكلمة "الغربة" العربية، أسعفني خيالي بتلك اللحظة التي اخترع فيها أسلافي الكلمة وهم يقولون عن كلّ عربي غادر وطنه بأنّه اغترب أو تغرّب، وكلّ من اتّجه غرباً بأنّه اختار الغربة ومرادفها الوحشة، بعكس من يتّجه شرقاً ويعتبرونه في وطنه الأكبر-الشرق. أمّا في ملاحم الإغريق، بقي الشرقُ موطنَ الحروب والغربُ منفى، وأيضاً نجاة، سواء من الحرب قبل حدوثها أو من كوابيس ما بعدها. لكنّ هذا لم يدخل في حسبان أهل العربيّة حين ربطوا الغُربة بالوحشة والظلام، ولا شيء سواهما.