بريطانيا وفلسطين وحماس

بريطانيا وفلسطين وحماس

01 ديسمبر 2021
+ الخط -

"فلسطين في قلبي إلى الأبد، لا يمكنني الصعود إلى ذلك المسرح والتصرف كأن لا شيء يحدث، بينما يقاتل الناس من أجل حياتهم هناك".. هذه الكلمات التي أعلنت فيها ملكة جمال اليونان انسحابها من مسابقة ملكة جمال الكون التي تنظم في إسرائيل في ديسمبر المقبل، تختصر حكاية اللوبي الصهيوني وبريطانيا مع فلسطين، إذ بات صوت الرفض للاحتلال ونظام الفصل العنصري عاليا لا يمكن إسكاته كما لا يمكن تجاهله.

لا تدافع "رافائيلا بلاستيرا"  ملكة جمال اليونان عن حماس، كما لا يدافع جميس وجون وحركة مناصرة عالمية للقضية الفلسطينية عنها، وإنما عن قضية فلسطين العادلة، يدافعون عن العدالة والحق في الحياة، والتحرر من الاحتلال والتخلص من آخر نظام فصل عنصري في العالم.

وبنظرة فاحصة لما أقدمت عليه بريطانيا مؤخرا بخصوص حماس، فإن قرارها  بتقديري بالغ الخطورة ولا يمكن فصله عن سياق حملة شعواء للوبي الصهيوني ليس المقصود منها حماس فقط، وإنما كل المؤسسات والأفراد والأشخاص الذين ينشطون في بريطانيا وعموم أوروبا ضد الاحتلال ويطالبون بالعدالة للشعب الفلسطيني، فلم تكن لندن قبل هذا الإعلان تدرج الجناح السياسي لحماس على قوائم الإرهاب وإنما فقط الجناح العسكري، إلا أن توقيت القرار وصياغته وإخراجه حيث عمليا لا يوجد وجود رسمي لحماس في بريطانيا، تجعل من الواضح أنه لا يستهدف حماس فقط، وإنما يأتي في سياق حملة ممنهجة مستمرة تستهدف المناصرين للقضية الفلسطينية في الساحة الأوروبية على وجه الخصوص، وإعطاء المزيد من الأدوات للوبي الصهيوني لملاحقة النشطاء المناهضين للاحتلال الإسرائيلي وتجريمهم وترهيبهم.

في الوقت الذي ينتظر الفلسطينيون وأحرار العالم اعتذار لندن عن وعد بلفور في ذكراه الـ 104، يأتي "وعد بريتي لـ بينت" أو " جونسون لـ بينت"

إن حملة المقاطعة الواسعة التي نجحت فيها مؤسسات تنشط لمقاطعة إسرائيل أكاديميا واقتصاديا فيما يخص تجريم التعامل مع منتجات المستوطنات كحركة BDS أصابت اللوبي الصهيوني بالجنون مع توسع نشاطها ونجاحها في الوصول للرأي العام البريطاني والغربي عموما واقناعه بزيف الرواية الصهيونية، ويظهر هذا القلق الصهيوني بوضوح من خلال الصوت المؤيد للقضية الفلسطينية في الجامعات البريطانية، وطرد سفيرة إسرائيل مؤخرا ونزول طلبة الجامعات جنبا إلى جنب في شوارع لندن منددين بالتطهير العرقي لسكان حي الشيخ جراح  والحرب على غزة والقوانين العنصرية التي تستهدف فلسطينيي الداخل، وحتى أن أصوات المتظاهرين قد أثرت على شرطية بريطانية لتجد نفسها دون وعي تهتف في مظاهرة "الحرية لفلسطين".

كل تلك المعطيات والتطورات هي بالنسبة لإسرائيل أمر بالغ الخطورة، فهي أصلا قامت على رواية مكذوبة أن فلسطين "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، فحرب الروايات أساسية في النضال لنزع الشرعية عنها، لذا فإن ذلك الاختراق الكبير لنشطاء حي الشيخ جراح من الشابات والشباب الذين استضافتهم القنوات الإنكليزية والأميركية مؤخرا وكانوا يعلقون بالصوت والصورة على عملية التهجير الجديدة التي تختزل ما جرى في النكبة، مشهد نجح في تلخيص الصورة  للغربي وتعريفه بحقيقة ما جرى في النكبة ومعنى أن تهجر إنسانا وتقتلعه من وطنه، وتقيم دولة أخرى على أنقاض مأساته.

يمكن القول بثقة إن نضالات الشباب والشابات المدنية والإعلامية والطلابية والتضامنية وائتلافاتهم الحقوقية والإنسانية والديمقراطية نجحت  في إبراز النضال الفلسطيني المدني من أجل العدالة، كما أسر صمود سكان حي الشيخ جراح وانتفاضة فلسطينيي الداخل وبراءة أطفال غزة قلوب وعقول مئات الآلاف حول العالم من المؤمنين بقضية الحرية والعدالة، من الذين شاهدناهم في مظاهرات مليونية في شوارع لندن في مايو/أيار الماضي، هتفوا للحرية والعدالة ولم يهتفوا لحماس، هتفوا لحق الشعب الفلسطيني في التحرر وإقامة دولته ورفض تهجيره، لم يهتفوا ضد السامية فلا يوجد أصلا في صفوفهم معاد للسامية، ولا مشكلة لدى الفلسطينيين أصلا مع اليهود وإنما المشكلة مع الاحتلال، مشكلة الفلسطينيين والمتضامنين معهم هي مع "نظام الفصل العنصري" الذي تقيمه إسرائيل، ولا يمكن أبدا اتهام من يناضلون ويتظاهرون من أجل الحريات والحقوق بأنهم معادون للسامية، وحتما فإنه لا يمكن أن تنجح خطط إسرائيل في خلط الأوراق والملفات.

إن المطلوب من بريطانيا تصحيح خطأها التاريخي وليس ارتكاب مزيد من الأخطاء، ففي الوقت الذي ينتظر الفلسطينيون وأحرار العالم اعتذار لندن عن وعد بلفور في ذكراه الـ 104، يأتي "وعد بريتي لـ بينت" أو "جونسون لـ بينت" حيث التقى جونسون نفتالي بينت في قمة المناخ وقيل إنه ضغط عليه هناك للإسراع في إدراج حماس على قوائم الإرهاب.

وفي الوقت الذي يتعاظم فيه تأييد الرأي العام البريطاني لحقوق الشعب الفلسطيني  تُوَلي حكومة المحافظين وجهها أكثر قِبَل تل أبيب، وتخضع للوبيها الصهيوني، وهو الأمر الذي يستفز البريطاني قبل الفلسطيني أو العربي، فقضية الحرية مسألة أساسية لدى الشعب البريطاني وإن تقييدها وإقامة محاكم تفتيش للرأي هي انتكاسه تلقي بمزيد من الضجر والغضب لدى الشباب والشابات الإنكليز والغربيين عموما الذين لا يستفزهم أكثر من تكميم أفواههم وتقييد قدرتهم على الصدح بمناصرة المظلوم، فالعدالة  نضال أممي وليس قضية فلسطينية خاصة.

أما حول المطلوب من العاملين للقضية الفلسطينية وأنصارها، فلا يجب عليهم الرعب وإنما الحذر ومواصلة العمل، وتشكيل تحالفات حقوقية واسعة تمتن من جبهة النضال الحقوقي ضد نظام الفصل العنصري، وتعمل مع كل المؤسسات والأشخاص والائتلافات التي تناضل من أجل قضية الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

ملاحظة أخيرة، مشكلة وزيرة الداخلية ليست فقط في انحيازها للوبي الصهيوني، إنما في عنصريتها كذلك تجاه المهاجرين، ما يؤكد أن معركة الحرية متناقضة بالضرورة مع العنصرية، ومع أنظمة الفصل التي تمرر أجنداتها دوما عبر أصدقاء عنصريين!!