برلين تنتزع دمشق من قبضة باريس

25 مارس 2025
+ الخط -

بينما كانت باريس تصوغ استراتيجياتها التقليدية في أروقة وزارة الخارجية، وتشتعل المناظرات تحت قبّة الجمعية الوطنية حول دور فرنسا في "سورية الجديدة"، كانت برلين تخطو بثبات نحو دمشق. ففي لحظة غافل فيها الحليف الألماني نظيره الفرنسي، تحوّلت سورية، التي لطالما اعتبرتها باريس ساحة نفوذها التاريخية، إلى ملعب مفتوح أمام براغماتية ألمانية هادئة وحاسمة. وبينما يتخبّط الداخل الفرنسي في انقساماته السياسية، كانت الخطوات الألمانية تتردّد بثقة في شوارع العاصمة السورية، حيث تتكشّف ملامح واقع دبلوماسي جديد يشهد على انزياح غير معلن في ميزان القوى الأوروبية في الشرق الأوسط.

بين حذر باريس ومبادرات برلين الجريئة، يبرز سؤال محوري: إلى أيّ مدى تخشى باريس من أن يؤدي تقاربها الحذر مع حكومة الشرع إلى تغذية صعود اليمين المتطرّف داخليًا، ما يجعلها تتردّد في خطواتها الدبلوماسية في سورية، ويمنح برلين، التي تتحرّك بجرأة وواقعية، فرصة لوراثة النفوذ الفرنسي في دمشق؟

منذ اللحظة الأولى التي توجّهت فيها باريس وبرلين إلى دمشق، وقع مشهد في قصر الرئاسة هزّ الإعلام الغربي وكشف بوضوح عمق التباين بين العاصمتين. وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، اختارت بوعي أن لا تمدّ يدها للسلام على أحمد الشرع، مكتفية بوضع يدها بثبات على صدرها، في إشارة واضحة إلى احترام برلين للأعراف الجديدة في دمشق. على النقيض، مدّ الشرع يده إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي اكتفى بمصافحة باردة ومرتخية، بقبضة شبه مفتوحة. لم تكن هذه المصافحة الضعيفة مجرّد ارتباك، بل بدت كأنها رسالة تضامنية خفيّة مع الوزيرة الألمانية، التي تجاوزت الحادثة سريعًا للتركيز على أولوياتها العملية في سورية، ما جعل باريس تبدو وكأنها تحمل عبء الاعتراض وحدها.

باتت برلين أقرب إلى أن تصبح صوت أوروبا في سورية، فيما تتراجع باريس أمام واقع دبلوماسي يتشكّل خارج إرادتها

قبضة بيربوك المُغلقة بدت أكثر قوة ووضوحًا من يد بارو المرتخية، وهو ما عكس تردّد باريس وانقسامها بين المبادئ والبراغماتية. غير أن هذا التباين في لغة الجسد لم يكن سوى مرآة لتحوّل أوسع على الأرض. ففي الوقت الذي بادرت فيه ألمانيا إلى افتتاح سفارتها في دمشق قبل أن تحسم باريس موقفها، كانت برلين تؤسّس لمرحلة جديدة، قد تُنذر باقتراب نهاية مرحلة طويلة من التفوّق الفرنسي في سورية.

هذا السبق الألماني لم يكن مجرّد مناورة دبلوماسية، بل جزءًا من تحوّل أعمق في قواعد اللعبة الإقليمية، حيث باتت برلين أقرب إلى أن تصبح صوت أوروبا في سورية، فيما تتراجع باريس أمام واقع دبلوماسي يتشكّل خارج إرادتها.

أعتقد أنّ باريس لطالما نظرت إلى اللغة والثقافة الفرنسيتين كأدوات أساسية في سياستها الإقليمية تجاه سورية. فمنذ استقلال دمشق، لم تكن الفرنكوفونية مجرّد امتداد ثقافي ناعم، بل أداة استراتيجية وظّفتها فرنسا لمدّ الجسور مع النخب السورية وترسيخ حضورها في المشرق قوةً وازنةً. غير أنني أرى اليوم أن هذا النفوذ الثقافي بدا عاجزًا وهشًا أمام التحوّلات الجذرية التي عرفتها سورية بعد سقوط الأسد.

النفوذ الثقافي الفرنسي بدا عاجزًا وهشًا أمام التحوّلات الجذرية التي عرفتها سورية بعد سقوط الأسد

في المقابل، وبينما ظلّت باريس وفية لأدواتها التقليدية، أرى أنّ برلين قرأت المشهد السوري بعين براغماتية واقعية. فقد تحرّكت ألمانيا وفق مقاربة مرنة، بعيدة عن الخطابات السياسية المعقّدة، وركّزت بثبات على الملفات الاقتصادية والأمنية، في وقت باتت فيه دمشق تنظر إلى الشروط الفرنسية كعبء يُثقل أيّ شراكة محتملة مع باريس.

على إثر هذه التحوّلات، يمكن القول إنّ النفوذ الثقافي الفرنسي تراجع لصالح الحضور الألماني، حيث استطاعت برلين ملء الفراغ الذي خلّفه ارتباك باريس بين المبادئ والتردّد السياسي. ففي دمشق الجديدة، لم تعد اللغة الفرنسية وحدها كافية لفرض الحضور، بل باتت الحسابات الجيوسياسية والصفقات العملية هي التي تحدّد معايير الشراكة والتأثير.

هكذا، نجحت دمشق في اللعب على التناقضات الأوروبية، فاستفادت من الحذر الفرنسي لتعزيز تقاربها مع برلين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقة قائمة مع باريس، ما منح النظام الانتقالي مساحة أكبر للمناورة والضغط على كلّ طرف للحصول على أفضل الشروط.

نجحت دمشق في اللعب على التناقضات الأوروبية، فاستفادت من الحذر الفرنسي لتعزيز تقاربها مع برلين

المفارقة أن باريس، التي لطالما تصدرت المشهد في سورية باعتبارها قوّة أوروبية ذات نفوذ راسخ، تجد نفسها اليوم على الهامش، بينما تواصل برلين قطف ثمار النفوذ الفرنسي التاريخي في البلاد. فدمشق التي لطالما اعتبرت باريس بوابتها إلى أوروبا، باتت اليوم ترى في برلين شريكًا أكثر عملية وأقلّ انخراطًا في الحسابات السياسية.

وبرأيي، فإنّ حالة الارتباك التي تظهر في تحرّكات باريس تجاه سورية ليست سوى مرآة لانقسام داخلي يقيّد صانع القرار الفرنسي. فالأزمة تتغلغل في عمق الساحة السياسية، حيث يلوّح اليمين المتطرّف بورقة دمشق الجديدة ذات الطابع الإسلامي، محذّرًا من أنّ هذا التقارب قد يفاقم المخاوف الشعبية ويغذي صعوده الانتخابي. في المقابل، يتهم اليسار الحكومة بالتخلّي عن ثوابت باريس الأخلاقية، ولا سيما حماية الأقليات وحقوق الإنسان، وهي ملفات لطالما شكّلت حجر الزاوية في السياسة الفرنسية في المشرق.

وسط هذا الانقسام، تحوّلت الأزمة السياسية الداخلية إلى عبءٍ حقيقي يكبّل يد باريس في الخارج، ويعوق قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة في الملف السوري. وبرلين، التي تتحرّك بثبات ومرونة، لم تتأخّر في استغلال هذا الشلل الدبلوماسي الفرنسي لتكرّس حضورها في دمشق، وتنتزع تدريجياً ما تبقى من موقع باريس بوصفها شريكًا مفضّلًا في سورية. بينما لا تزال باريس تحاول إعادة التموضع وسط ضغوطها الداخلية، تمضي برلين بثبات، وقد سبقتها بخطوات واضحة إلى الأمام.

الملف السوري الذي لطالما كان ساحة للنفوذ الفرنسي، بات اليوم شاهدًا على تحوّل في موازين القوى الأوروبية في الشرق الأوسط. وإذا لم تسارع باريس لالتقاط الكرة قبل صافرة النهاية، فستجد نفسها خارج الملعب، تشاهد من المدرجات كيف تعيد برلين صياغة قواعد النفوذ في دمشق.

كاتبة وباحثة لبنانية
سالي موسى
كاتبة وباحثة لبنانية متخصّصة في القانون الدولي والشؤون السياسية. تركّز على تحليل العلاقات الدولية، خاصة في الشرق الأوسط، مع اهتمام خاص بالعلاقات اللبنانية السورية.