برغل أمي أطيب من برغل أم كارل ماركس

17 ديسمبر 2025
+ الخط -

منذ اللحظة الأولى قد يبدو العنوان مُستفزاً أو مازحاً، لكنه ليس نُكتة ولا مقارنة عائلية عابرة. هو مدخل ثقافي مقصود لمُساءلة العلاقة بين الفكر والحياة، بين النظرية وما يتبقى منها حين توضع على المائدة. فالحديث هنا لا يدور عن كارل ماركس بوصفه شخصاً تاريخياً فحسب، ولا عن أمّه بوصفها امرأة بعينها، بل عن نمط تفكير كامل يملك قدرة هائلة على التحليل، لكنه يعجز أحياناً عن التذوّق.

لا بُدّ من توضيح أساسي منذ البداية: ماركس لم يتحدّث عن القمح، ولم يكتب عن البرغل، ولم تكن هذه المفردات جزءاً من معجمه الفلسفي. إدخال البرغل إلى فلسفته فعل مقصود من جانبي، مجاز مُتعمّد لا ادّعاء تاريخيا فيه. أردت أن أضع الفكر في مواجهة ما لا يُعترف به، وأن أستخدم الطعم بوصفه معياراً ثقافياً لا اقتصادياً. من هنا جاءت الجملة البسيطة: برغل أمي أطيب من برغل أمّ كارل ماركس.

البرغل ليس مجرّد قمح مكسور، بل قمح خضع لتجربة؛ ماء ونار ووقت، ومحاولات فاشلة وناجحة، وذاكرة تتراكم من جيلٍ إلى جيل. البرغل معرفة لا تُدوَّن، بل تُمارس. هو نتاج علاقة طويلة مع المادة، لا تحليل لها من الخارج. في المقابل، القمح في حالته الأولى يظلّ فكرة خاماً، مادة قابلة للتفسير، لكنها لم تُعَش بعد. هذه المسافة بين القمح والبرغل هي ذاتها المسافة بين النظرية والحياة.

البرغل معرفة لا تُدوَّن، بل تُمارس. هو نتاج علاقة طويلة مع المادة، لا تحليل لها من الخارج

كارل ماركس ابن بيئة أوروبية صناعية، زمنها صاخب، وسؤالها المركزي هو العمل، والإنتاج، والصراع الطبقي. نظر إلى العالم من زاوية المصنع، فرأى الإنسان مُغترباً عن نتاج يده، محكوماً بعلاقات اقتصادية صارمة. هذا التحليل، على عمقه وأهميته، ظلّ أسير أفقه. فقد رأى البنية، لكنه لم يدخل المطبخ. ركّز على شروط الإنتاج، ولم يتوقّف عند شروط العيش.

ومن المهم هنا أن نعرف أنّ أمّ ماركس لم تكن من أسرة فقيرة، وإنّما من عائلة يهودية هولندية من الطبقة الوسطى ولم تكن بعيدة عن القمح أو مشتقاته. على الأرجح، كانت مائدتها أفضل من موائد كثيرين في زمنها. لكن المسألة لا تتعلّق بما كانت تطبخه، بل بما لم يره ابنها جديراً بالتفكير. فالطعم، في المنظومة الماركسية، لا قيمة معرفية له. لا يدخل في الاقتصاد السياسي، ولا يؤثّر في الحتمية التاريخية. إنه تفصيل حسّي، شخصي، لا يُبنى عليه تفسير للعالم، ولذلك جرى تجاهله.

رأى كارل ماركس البنية، لكنه لم يدخل المطبخ. ركّز على شروط الإنتاج، ولم يتوقف عند شروط العيش

هنا تحديداً يظهر جوهر المفارقة. برغل أمي طيّب، لا لأنّه أفقر أو أبسط، بل لأنّه مُعترف به. لأنه حاضر في الوعي بوصفه تجربة كاملة، لا هامشاً. أمي لا تطبخ البرغل لتفسير التاريخ، ولا لتغيير العالم، لكنها تنجح في شيء أكثر تواضعاً وأكثر صدقاً: جعل الحياة محتملة. وهذه القدرة، على بساطتها، لا تجد لها مكاناً في نظريات كبرى ترى الإنسان أولاً كعامل، لا ككائن يملك ذائقة وذاكرة وجسداً.

في فكر ماركس ميل واضح إلى الحتمية (التي أثبتت بطلانها الفيزياء الكمومية، والآينشتاينية بشقيها الخاص والعام)، إلى الاعتقاد بأنّ التاريخ يسير وفق منطق صارم، وأنّ التناقضات ستقود بالضرورة إلى الخلاص. لكن الحياة اليومية لا تتحرّك بهذه الدقة. الناس يتكيّفون، يعتادون، يحبّون ما اعتادوه، حتى لو كان غير مثالي. البرغل لا ينجح دائماً، ومع ذلك يُعاد طهيه. المعرفة هنا ليست يقيناً، بل ممارسة، وليست قانوناً، بل صبراً.

كلّ فكر يدّعي تفسير العالم كلّه، ينبغي أن يُسأل عمّا لم يَلتفت إليه، عمّا لم يذقه

هذا النص لا يسعى إلى التقليل من شأن ماركس كمفكّر وفيلسوف، ولا إلى السخرية من قيمته العلمية، هو محاولة لإعادته إلى حجمه الإنساني، إلى وضع فكره العظيم في سياقه، وإلى مساءلة ما استبعده وهو يبني نظريته. فكلّ فكر يدّعي تفسير العالم كلّه، ينبغي أن يُسأل عمّا لم يَلتفت إليه، عمّا لم يذقه.

لهذا، حين أقول إنّ برغل أمي أطيب من برغل أم كارل ماركس، فأنا لا أطلق حكماً ذوقياً ولا مقارنة طبقية. أنا أقدّم انحيازاً ثقافياً واضحاً، انحيازاً للمعرفة التي تُعاش لا التي تُعلن، وللحكمة التي تُمارس بصمت لا التي تُكتب بوصفها قانوناً للتاريخ. بين المائدة والطاولة، أختار المائدة. فالعالم، في النهاية، لا يُفهم فقط، بل يُذاق، ويُرى، ويُشعر به... بل يدرك كلّ الإدراك الذي يسبق الفهم.