انقلاب الخالدين: العقيد القذافي يهزم الرئيس مرسي

21 نوفمبر 2020
+ الخط -


موجز الحكاية: عقد مجمع اللغة العربية في القاهرة (مجمع الخالدين) جلسة انتخاب رئيسه، قبل بضعة أشهر، فأسفر الاقتراع عن فوز رئيسه الحالي الدكتور حسن الشافعي، أستاذ الفلسفة الإسلامية.

الحكومة المصرية، ممثلة بوزير التعليم العالي، رفضت اعتماد النتيجة، وقررت إعادة إجراء الانتخابات في 19 أكتوبر 2020، فأسفرت النتائج عن تأكيد فوز  حسن الشافعي بمنصب رئيس المجمع، بعد اكتساح منافسه الناقد الأدبي الدكتور صلاح فضل، الذي حصل على تسعة أصوات فقط، فيما نال الشافعي 17 صوتاً من أصل 26 صوتاً صحيحة.

مرة أخرى، رفضت الحكومة الاعتراف بنتيجة الانتخابات التي جرت بطريقة ديمقراطية سليمة ونزيهة، ثم وجهت نواعقها الإعلامية بشنّ حملة شديدة الوضاعة قادتها صحيفة "اللواء الإسلامي" ضد الدكتور الشافعي (91 عاماً).

الخميس 19 نوفمبر/ تشرين ثاني، صدر فرمان أمني بمنح الخاسر صلاح فضل رئاسة مجمع اللغة العربية، بدلاً من رئيسه الفائز بالانتخابات، الدكتور حسن الشافعي.

في التفاصيل، أن المثقف الناقد الدكتور صلاح فضل فرح فرحاً كبيراً، واحتفل احتفالاً هائلاً بتلك الجائزة الأمنية الفاخرة، التي وضعته على كرسي رئاسة المجمع، فوق كل الاعتبارات الأخلاقية والقيم الديمقراطية، والقوانين الرسمية، وشيء آخر أهم، هو خليط من الكرامة الإنسانية والعفة والنخوة والرجولة والضمير والإحساس.

دعني أولاً أحكي لك من هو حسن الشافعي، ومن هو صلاح فضل:

الأول هو ذلك الرجل المعمَّم ذو الجلباب الأزهري، لكنه يحمل تحت عمامته كل القيم الديمقراطية المحترمة، وكل معاني حرية الفكر ورؤية المثقف الحر وضميره، أو كما وصفته عقب سطوعه الباهر في أعقاب مذبحة الحرس الجمهوري يوليو/ تموز 2013، فإن "هذا الشيخ النحيل أكثر حداثة وعصرية من أولئك الفاشيين المختبئين فى ربطات العنق الأنيقة والمفردات الإنكليزية".

خطاب هذا العالم الجليل الأزهرى أكثر اتساقاً مع مبادئ الديمقراطية وقيم الدولة المدنية الحديثة، من خطاب رموز ليبرالية البيادة وديمقراطية المدرعة.

هذا الرجل وهو في الثالثة والثمانين من عمره أطلق صرخة فتية ضد سفك الدم، فيما كان آخرون يتراقصون على حافة المقتلة، ويتقافزون بين الجثث يعبئون أوعيتهم من الدم المراق، وهم يغنون للانتصار الوسخ، ويريدون دماً أكثر. كان الدكتور الشافعي نائباً لشيخ الأزهر، حين قرر أن يخاطب الضمير الإنساني ببيان متلفز قال فيه ما يأتي:

• ما جرى فى 30 يونيو مؤامرة انقلابية كاملة الأركان من قبل بدء الدكتور مرسي حكمه

• ثورة 25 يناير لن تنسخ ولا تستبدل، فهي قائمة دائمة في قلوب المصريين، ومن يخرج عليها فاسدون مضللون.

• عار على الثوار أن يضعوا أيديهم فى يد الرموز الفاسدة، وإلا فمن يفعل يقامر بمستقبله.

• أعرف الفرق بين التدين الصحيح والإرهاب. والمسلمون الآن في مصر ليسوا إرهابيين.

• لا أرضى لجنود مصر أن يتورطوا في السياسة، وعليهم أن يسارعوا لحماية الوطن فقط.

• أرفض أن يظل مرسي الرئيس المنتخب حبيساً ويجب عودته لأبنائه.

• الإعلام الانقلابي يروّج لشائعات بأن المتظاهرين حاولوا اقتحام مقر الحرس الجمهوري. وقد وصلتني الحقيقة من أكثر من 10 رجال بكذب هذه الادعاءات.

• أين حماية المتظاهرين كما حميتم المعارضين من قبل؟

منذ ذلك الوقت، ونظام عبد الفتاح السيسي يضمر الشر لهذا الجليل، ويتحين الفرصة للانتقام، فعزلوه من منصبه في الأزهر، وذات يوم، في عام 2015 حدث الآتي: أنزلت سلطات مطار القاهرة الدكتور حسن الشافعي، رئيس مجمع اللغة العربية من فوق عربة تُقلّ الركاب المرضى إلى الطائرة من أجل إركاب خادمة رئيس نادي الزمالك.  

انتقام صغير يليق بوضاعة الصغار المتربصين بالرجل، حتى تأتي فرصة الانتقام الأكبر، الذي جاء على قاعدة "الجزاء من جنس العمل" وعقاباً للشيخ الجليل على معارضته الانقلاب قبل سبع سنوات، جاءت الضربة على صورة انقلاب في مجمع الخالدين، لتكون الرسالة واضحة: سنغتالك أيها الثائر العجوز بالوحشية التي أطلقت صيحتك ضدها في 2013... أنت وقفت في وجه انقلاب على رئيس مدني منتخب انتخاباً حراً ديمقراطياً؟ حسناً، سنشعل النار في الصندوق وفي الأصوات... سنحرق الانتخابات نفسها.

أنت دافعت عن حق المدني محمد مرسي، ونحن سنعاقبك بمن ارتضى أن يكون ماشطة ثقافية لوجه العسكري العقيد القذافي.

عملية الإنزال التي نفذتها قوات عبد الفتاح السيسي في مجمع اللغة العربية، وانتهت باختطاف رئاسته من الرجل المنتخب ديمقراطياً، وتسكين واحد من"مارينز الثقافة" بتعبير الناقد الراحل فاروق عبد القادر مكانه، تبدو لي مثل ضربة مزدوجة، لتحقيق هدفين: الأول الانتقام من الدكتور حسن الشافعي، شخصياً، والثاني مواصلة حصار شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، الذي يتربص به النظام العسكري في مصر، وخصوصاً أن الشافعي لم يكن نائباً لشيخ الأزهر فقط، بل هو قبل ذلك أستاذه ومعلمه، وفي عبارة واحدة، يمكنك وصفه بأنه إمام الإمام الأكبر.

وأظن أن النظام وجد أنه ليس أفضل من صلاح فضل يصلح لهذه المهمة، فمن هو صلاح فضل؟

باختصار، هو ذلك الذي ارتضى أن يكون رجل جائزة معمر القذافي الأدبية، قبل الربيع العربي، بل يحكى أنه صاحب تسميتها "جائزة القذافي"بدلاً من اسم "جائزة أفريقيا العالمية للآداب"، وهي الجائزة التي تعفف عن قبولها الأديب الإسباني خوان غويتسولو، لأسباب "سياسية وأخلاقية"، وذلك بعد ترشيحه لها بمعرفة رئيس لجنة التحكيم صلاح فضل.

وللمأساة وجوه أخرى نستكملها في المقال القادم.