اليهود العرب في مرآة المخيال الصهيوني

16 نوفمبر 2025
+ الخط -

في مذكراته "العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي عربي"، يكتب المؤرخ الإسرائيلي من أصول عراقية، آفي شلايم، نصّاً يتجاوز السيرة الذاتية ليصبح وثيقة ضدّ النسيان. فالرجل الذي نشأ في بغداد، وهاجر قسراً إلى إسرائيل في طفولته، لا يسرد فقط قصّة عائلته، بل يُحاكم من خلال ذاكرته الشخصية سردية المشروع الصهيوني نفسه.

يقول شلايم ضمنياً إنّ مأساة اليهود العرب لم تكن في "خروجهم" من أوطانهم، بل في الطريقة التي جرى فيها اقتلاعهم من ذواتهم وهُويّاتهم، وتحويلهم إلى "يهود جدد" منسلخين عن ذاكرة عربية عميقة تمتدّ قروناً في الجغرافيا والثقافة.

ومن المفارقات الكبرى أنّ عبارة "يهودي عربي" التي يستخدمها شلايم في عنوان كتابه بدت في العقل الصهيوني توليفة مستحيلة، لأنّ الصهيونية قامت على فرضية أنّ اليهودي لا يمكن أن يكون عربياً، وأنّ العروبة نقيض لليهودية!

كان على اليهود العرب أن يتخلّوا عن لغتهم وثقافتهم وعاداتهم ليحصلوا على هُويّة إسرائيلية مقبولة

غير أنّ شلايم يُعيد تعريف هذه العلاقة، مؤكّداً أنّ اليهودية في الشرق الأوسط كانت ديناً داخل فضاء حضاري عربي-إسلامي رحب، لا طائفة مُنغلقة أو غريبة عن محيطها. ففي بغداد، كما يصفها، كان اليهود يشاركون جيرانهم المسلمين والمسيحيين الأسواق والأغاني والمناسبات، وكانوا أبناء اللغة العربية وتاريخها، لا طارئين عليها.

هذه الحقيقة التاريخية هي ما حاول المشروع الصهيوني طمسها عمداً لصالح تصوّر استعماري يجعل اليهودية امتداداً للغرب لا للشرق!

يرى شلايم أنّ الصهيونية لم تكن فقط مشروعاً لإقامة دولة، بل كانت مشروعاً لإعادة تصنيع اليهود أنفسهم؛ فاليهود الشرقيون، القادمون من العراق والمغرب واليمن ومصر، لم يُستقبلوا في "الدولة اليهودية" بوصفهم أبناء وطن واحد، بل غرباء يجب "إعادة تربيتهم" ليصبحوا على صورة اليهود الأوروبيين (الإشكناز).

لقد صُوِّر الشرق في المخيال الصهيوني باعتباره فضاءً للتخلّف والخطر، وكان على اليهود العرب أن يتخلّوا عن لغتهم وثقافتهم وعاداتهم ليحصلوا على هُويّة إسرائيلية مقبولة، إنّها عملية تغريب قسري للهُويّة، تشبه إلى حدّ كبير ما يسميه فرانز فانون "التطهير الثقافي"، حيث يُطلب من المستعمَر أن يُعيد تشكيل ذاته على مقاس المستعمِر.

في مذكراته، يروي شلايم كيف تحوّل العرب، في الوعي الذي أنتجته الدولة الإسرائيلية، من جيران الأمس إلى "أعداء وجوديين"، فقد تولّت المدرسة، والإعلام، والمؤسسة الدينية الرسمية، مهمّة إعادة برمجة الذاكرة، بحيث يصبح العربي رمزاً للتهديد والظلام، ويُعاد إنتاج صورة "اليهودي المنقذ من الشرق المتوحش"!

الصهيونية لم تسرق فلسطين فقط، بل سرقت اليهود العرب أيضاً، حين نزعتهم من سياقهم الطبيعي وزرعتهم في مجتمع لا يعترف بهم

لكن المفارقة القاسية أنّ هذه الدعاية لم تفصل اليهود العرب عن محيطهم التاريخي فحسب، بل جعلتهم أيضاً أدوات في حرب أيديولوجية ضدّ ذواتهم السابقة. وهكذا، حُوِّل ضحايا الاستعمار الصهيوني إلى شهود زور على سردية استعمارية جديدة.

يصف شلايم إسرائيل بأنّها مجتمع مُنقسم على خطوط إثنية وثقافية حادة، فالإشكناز، الذين أسّسوا الدولة، احتكروا السلطة والثروة ومراكز القرار، بينما دُفع اليهود العرب (أو السفارديم والمزراحيم) إلى الهوامش الجغرافية والاجتماعية، وهُمِّشوا في الأطراف، وفي المهن الدنيا، وأُخضِعوا لعمليات "تغريب" قسري، طاولت لغتهم ولهجاتهم وموسيقاهم وحتى أسماءهم!

هذا التمييز لم يكن عرضياً، بل جزءاً من بنية الدولة نفسها التي قامت على التفوّق الأوروبي واستبطان الاستعمار. لقد أرادت الصهيونية دولة لليهود، لكنها أقامت في الحقيقة دولة لليهود الأوروبيين ضدّ اليهود الشرقيين والعرب، فصار الداخل الإسرائيلي نسخة مصغّرة من التراتبية الاستعمارية التي لطالما ادّعت الصهيونية أنها تهرب منها!

ما يفعله شلايم في مذكراته هو فعل مقاومة بالذاكرة، إنّه يعيد الاعتبار لتاريخ طُمس عمداً: تاريخ اليهود العرب بكونه جزءاً من الحضارة العربية الإسلامية، لا جاليةً معزولةً، ويؤكد أنّ الصهيونية لم تسرق فلسطين فقط، بل سرقت اليهود العرب أيضاً، حين نزعتهم من سياقهم الطبيعي وزرعتهم في مجتمع لا يعترف بهم.

صار الداخل الإسرائيلي نسخة مصغّرة من التراتبية الاستعمارية التي لطالما ادّعت الصهيونية أنها تهرب منها!

إنّ استعادة هذا الوعي تمثّل خطوة في تفكيك الأسطورة الصهيونية، وفتح أفق لتاريخ بديل يعترف بتعدّد الهُويات وتداخلها، لا بتناحرها.

تُعيد مذكرات "العوالم الثلاثة" طرح سؤال مركزي على الوعي العربي والعالمي معاً: هل يمكن إعادة بناء سردية عن اليهودية خارج المشروع الصهيوني؟

يجيب شلايم، بوعيه التاريخي وتجربته الشخصية، بالإيجاب، فاليهود العرب لم يغادروا العروبة إلا قسراً، ولم يكن نفيهم سوى جزء من نفيٍ أكبر للعرب ككلّ في الوعي الغربي الاستعماري.

فالقضية، برأيه، لم تكن دينية بقدر ما كانت استعماراً حديثاً للذاكرة، يسعى لتقسيم الشرق من داخله، وتمزيق نسيجه الإنساني الذي عاش قروناً في تنوّع وتعايش.

من هنا، تصبح مذكراته فعل تحرير مزدوج: تحرير لليهود العرب من أسر الصهيونية، وتحرير للعرب من الصورة النمطية التي رسمها الغرب عنهم. إنّها شهادة مؤرخٍ على أنّ الهوية ليست قدراً قومياً مغلقاً، بل حكاية إنسانية مفتوحة، تقاوم النسيان وتستعيد إنسانها الممزّق بين العوالم الثلاثة.

ياسر قطيشات
ياسر قطيشات
باحث وخبير ومؤلف في السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية، من الأردن.