الوعي والوجود.. أيّة علاقة؟
الوعي، في المنظورين الفلسفي والعلمي الحديث والمعاصر، ليس انعكاسا لواقعٍ مستقلّ عنه بذاته، بل هو جزء فعّال وهام في تشكّل هذا الواقع ذاته. فالقول إنّ الراصد (الملاحظ) أو الوعي لا تأثير له في اللعبة الوجودية، يطلّ من برجه على مسرح الوجود من موقع الحياد، لم يعد سائغاً بعد النقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط، للعقل الميتافيزيقي، ولا ممكناً بعد الانقلاب المعرفي والقطيعة الإبستمولوجية اللذين أحدثتهما فيزياء الكمّ في تصوّرنا للعلاقة بين الذات والموضوع.
إنّ كلّ محاولة لتصوير الواقع بوصفه قائماً في ذاته، كامل البنيان والتشكّل بمعزل عن الفعل المعرفي البشري، تتهافت أمام الفهم الترنسندنتالي الكانطي: بأنّ التجربة لا تُمنح للوعي في صورة خامة مُتشكّلة مُسبقاً، بل تتشكّل في داخل نسق العقل الإنساني الذي يضبطها وفق مقولات الزمان والمكان والفهم.
لقد وضّح كانط، في مشروعه الفلسفي النقدي، أنّ العقل البشري لا يتلقى المعطيات الحسية من الخارج كما هي، بل يشكّلها ضمن قوالب قبلية تجعل من التجربة مُمكنة. فالوجود الخارج عنّا والذي نعرفه ليس "الشيء في ذاته"، وإنما هو "الظاهر" كما يُبنى في نسق الوعي. بذلك يصبح الراصد جزءاً من البنية التي تشكّل الواقع المُلاحظ، لأنّ شروط المعرفة وفق كانط كامنة في الذات العارفة نفسها. لا يمكننا، وفق هذه الرؤية الفلسفية العميقة، الحديث عن واقع مستقلّ بالمعنى الميتافيزيقي، بل عن توافق ضروريّ بين ما يُعطى حسّياً وبين ما يُصاغ عقلياً. هذا التوافق لا يعني أنّ العالم مجرّد إسقاط ذهني، بل إنّ وجوده العيني لا ينفك عن الطريقة التي يُنظَّم بها إدراكنا له. وهنا يغدو الوعي ليس متفرّجاً بل شريكاً في صناعة التجربة وفي إنتاج الواقع الممكن إدراكه.
الوجود الخارج عنّا والذي نعرفه ليس "الشيء في ذاته"، وإنما هو "الظاهر" كما يُبنى في نسق الوعي
عند الانتقال من ميدان الفلسفة النقدية إلى ميدان فيزياء القرن العشرين، نكتشف أنّ النتائج التي بلغها العلم التجريبي في الفيزياء الكمية أو (الكوانتية) أعادت تأكيد حضور الوعي داخل نسيج الواقع كراصد ومُلاحظ . فقد أظهرت التجارب الكمية، ولا سيما في تجربة الشق المزدوّج، أنّ سلوك الجسيمات الدقيقة كالإلكترون، يتغيّر تبعاً لطبيعة الملاحظة. فحين لا يُرصد الإلكترون أو يُلاحَظ يتصرّف كموجة، وعندما يُرصد يتحوّل إلى جسيم. إنّ فعل الرصد نفسه هو ما يحدّد نمط الوجود الظاهري للجسيم، وكأنّ "الوعي" الذي يراقب يصبح جزءًا من التجربة والظاهرة لا عنصراً خارجياً عنها. بهذا تفقد الفكرة التقليدية القائلة "بموضوعية العالم الفيزيائي" استقلالها وحياديتها، ويغدو الراصد شرطاً لا يمكن عزله عن الحدث الفيزيائي ذاته.
هذه المفارقة الكوانتية لا تعني أبداً أنّ الوعي البشري يخلق الواقع من عدم، وإنما تعني أنّ التخوم الفاصلة بين الذات والموضوع، بين الراصد والمرصود، تتلاشى على مستوى البنية الأساسية للوجود. إنّ الواقع لا يمكن فهمه إلا من خلال علاقة جدلية أو "تشابك كوموني"، وليس كجوهر مستقل بذاته أو إسقاط خارجي إلى الذهن. وهنا يلتقي كانط والعلم الحديث في نقطةٍ عميقة، ما يُدرك ليس مجرّد انعكاسٍ لشيءٍ قائم في ذاته، بل بناءٌ ناشئٌ عن "التفاعل" بين الشروط الذهنية والبنية الموضوعية. إنّ الراصد لا يُضاف إلى الوجود كما تُضاف عين إلى مشهد، بل هو شرط واجب في قيام المشهد ذاته.
ما يُدرك ليس مجرّد انعكاسٍ لشيءٍ قائم في ذاته، بل بناءٌ ناشئٌ عن "التفاعل" بين الشروط الذهنية والبنية الموضوعية
بهذا المعنى، لم يعد الوعي عنصراً طارئاً على الوجود أو العالم، بل أصبح ويصبح جزءاً من نسيجه الداخلي، جزءاً من الظاهرة التي يتجلّى بها الوجود. إنّ الانقسام التقليدي بين الذات التي تعرف والعالم الذي يُعرف كان قائماً على افتراض أنّ الوعي صفحة بيضاء وشفافة تماماً، يقف أمام الموجودات من دون أن يؤثّر فيها. غير أنّ الحداثة النقدية والعلم المعاصر أظهرا أنّ هذا الافتراض وهمٌ ناجم عن الرغبة في يقينٍ مطلق. فالمعرفة لا يمكن عزلها عن العارف، والراصد لا يمكن فصله عن الظاهرة التي يرصدها.
إنّ العالم كوجود، والذي يظهر للوعي ليس نتاجاً ذاتياً خالصاً، ولا وجوداً موضوعياً بالمطلق، بل هو علاقة ديناميكية جدلية تتكوّن عند تقاطع الإمكانين. فكلُّ معرفةٍ في سياقها وسيرورتها هي خلقٌ مستمرّ بين الذات والموضوع، بين المراقِب والمراقَب. ومن هنا يمكن القول إنّ "اللعبة الوجودية" ليست لعبة بين أشياءٍ صمّاء، بل هي شبكة لانهائية من التفاعلات يكون فيها الوعي نفسه أحد اللاعبين الأساسيين. إنّ كل ملاحظةٍ أو مراقبةٍ هي تعديل في تشكّل الواقع، وكلّ وعيٍ هو لحظة إبداع للوجود كما يُعطى لنا.
إنّ الوعي ليس ضيفاً أو متفرّجاً على الوجود، بل هو جزءٌ من نسيجه، من جدليته الداخلية التي تجعل الوجود ممكناً بوصفه ملاحظاً ومدرَكاً
وفق هذا السياق، يتهاوى موقف النزعة الموضوعية الصارمة التي حلمت بعالمٍ يمكن وصفه كما هو "في ذاته"، كما تتهاوى النزعة الذاتية التي تحوّل الواقع إلى خيالٍ ذهني. فالمعرفة ليست تمثيلًا ولا إسقاطًا، بل حدثٌ أنطولوجي يتكوّن فيه الوجود من خلال العلاقة. إنّ الحقيقة لا تُمتلك في الخارج، ولا تُستخلص من الداخل، بل تُولد في النقطة التي يتقاطع فيها الوعي والعالم وفق جدلية خلق مستمر. ومن ثمّ، فإنّ القول بأنّ الراصد خارج اللعبة هو تجاهل لطبيعة الوجود التي لا تنفصل عن فعل الوعي، ولطبيعة الوعي الذي لا يتجلّى إلا في مواجهة وجودٍ يتلقّاه ويُعيد صياغته في آنٍ واحد.
لقد أدرك كانط بقصد أو من دونه أنّ العقل لا يكتشف نظام العالم بل يفرضه وفق بنيته المُسبقة الخاصة، وأدركت الفيزياء الكمومية أنّ الملاحظة ليست كشفاً بريئاً بذاته بل إسهام فعّال في تشكّل الظاهرة. كلا الاتجاهين، الكانطي الفلسفي والفيزياء الكمي العلمي، يلتقيان في دحض الفكرة القائلة بأنّ الواقع قائم بذاته بمعزل عن الوعي. إنّ الوعي ليس ضيفاً أو متفرّجاً على الوجود، بل هو جزءٌ من نسيجه، من جدليته الداخلية التي تجعل الوجود مُمكناً بوصفه مُلاحظاً ومُدرَكاً.
وهكذا، فإنّ الحقيقة ليست معطى خارجيا بذاتها تُُكتشف بالوعي، بل تجربة تُبنى وتُنتجْ بين الذات والموضوع، والواقع ليس كياناً مُكتملاً صامتاً، بل فعل تَشكّلٍ مستمرّ. كلُّ ملاحظةٍ هي حدثٌ يخلق شكلاً جديداً للعالم، وكلّ وعيٍ هو انخراط في إنتاج المُمكن الواقعي. بهذا الفهم يصبح الراصد ليس خارج اللعبة الوجودية، بل في قلبها ومساهماً فيها، حيث تتكوّن الحدود بين الذات والعالم في كلّ لحظة من لحظات الإدراك. إنّ الوعي، كما تكشفه الفلسفة النقدية والفيزياء الحديثة، ليس ظلّاً أو انعكاساً للوجود، بل أحد وجوهه التي بها يُضيء على نفسه.