الهويات المقاتلة... تجاوز الاستكشاف والتأجيل

03 ديسمبر 2025
+ الخط -

لست قادمة من جدلية الهُويّات القاتلة، لأنها لا تسعف ولا تلبي حاجة المرحلة وتعقيداتها في ظلّ الوضع السياسي الذي يعصف بنا، وربما نحن من نعصف به، ليكون لنا هُويّات مقاتلة يجري تشكيلها في المعمل الاجتماعي السياسي العربي.

في مدرسة علم النفس النمائي، تسطع نظرية تشكّل الهُويّة الاجتماعية لواضعها إريك إريكسون (1902-1994) وهو عالم نفس أميركي ألماني الأصل، وقد قدّم هذه النظرية نقيضًا لنظريات عالم النفس، سيغموند فرويد، حول الأنا المحصورة في عوامل ذاتية داخلية غريزية وبيولوجية بحتة، لم يكن فيها اعتبارات للمستوى العلائقي ولا الظروف البيئية.

لقد كان طرح إريكسون الذي تعرّف على آنا فرويد في النمسا (وهي ابنة سيغموند فرويد)، حول مراحل وأشكال نمو الهُويّة الاجتماعية مُقنعًا جدًا وعمليًا، خصوصا أنّ إريكسون من العلماء الذين تعلّموا التحليل النفسي الفرويدي واختبروه، ولم يكتف بالطروحات الفرويدية حول العوامل البيولوجية والغريزية في تشكيل هُويّة الإنسان. فبينما تعتبر الفرويدية أنّ سلوك الإنسان يأتي من دوافع غريزية، اختلف إريكسون مع هذه النظرة الضيّقة لدى المدرسة الفرويدية، واعتبر أنّ الإنسان يتصرّف بدوافع اجتماعية تهدف لتفاعله مع محيطه.

بينما يعتبر فرويد أنّ سلوك الإنسان يأتي من دوافع غريزية، اختلف إريكسون مع هذه النظرة الضيّقة واعتبر أنّ الإنسان يتصرّف بدوافع اجتماعية تهدف لتفاعله مع محيطه

يطرح إريكسون الهُويّة كمُتغيّر يتأثّر بالظروف الثقافية تحديدًا، وتحكم ظروف تشكيل الهُويّة عند إريكسون عاملين رئيسيين وهما: الاستكشاف والتوافق، وطرح نظرية أزمة الهُويّة، حيث يعتبر أنّ الهُويّة تتشكّل في ظلّ أزمات ثقافية تُشكّل دافعًا ايجابيا لنمو الهُويّة حتى تصل لتوافقها مع القيم والمبادئ الاجتماعية السائدة. ولم يتوسّع إريكسون في طرحه هذا حتى جاء من بعده العالم الكندي جيمس مارشيا، الذي بنى على نظرية إريكسون أربع مراحل وأشكال للهُويّة وهي: الهُويّة المُشتّتة، والهُويّة المُقيّدة، والهُويّة المؤجْلة، والهُويّة المُنجَزَة.

في واقعنا السياسي العربي، تستحق محاولة المواءمة بين طرح مارشيا في التحليل النفسي النمائي وكيفية تشكّل الهُويّات الاجتماعية العربية، وتحديدا الهُويّات التي تتشكّل في ظروف استعمارية قد تؤدي إلى تشكّل هوُيّة اجتماعية سياسية مُركّبة معًا، بحيث لا يمكن فصل البنى الاجتماعية عن البنى الاستعمارية في المجتمعات المستعمَرة وهذا ما تنحو إليه دراسات ما بعد الكولونيالية والديكولونيالية.

لا يمكن فصل البنى الاجتماعية عن البنى الاستعمارية في المجتمعات المستعمَرة

تمرّ الهوية الاجتماعية السياسية العربية بحالة من التذبذب وعدم الاستقرار، والذي لا يرقى لمرحلة "الهُويّة المُحقّقة"، فالهوية الوطنية المنقسمة داخليًا على مستوى الوطن، والهُويّة القومية المُنقسمة على الصعيد الإقليمي لا يمكن وصفها بحالة التعدّدية داخل المجتمع الواحد نفسه، ولا يمكن وصف الثانية بالهُويّة القومية المستقلة، لأنّ التقسيم الجغرافي بين الدول العربية هو تقسيم استعماري يحافظ على تبعية الحكومات للاستعمار الغربي الأميركي.

لذا، أقلّ ما يمكن وصفه للهُويّة الاجتماعية السياسية للأفراد في دول فلسطين وسورية ولبنان، هو التذبذب بين حالتين طرحهما مارشيا، وهما: الهُويّة المُشتّتة والهُويّة المُقيّدة.

في حال وصفنا الهوية الاجتماعية بالمُشتّتة (Identity Diffusion) على الصعيد السياسي والاجتماعي، فذلك يعني أنّ الهوية تمرّ في مرحلة استكشاف الخيارات المُتاحة في الواقع الاجتماعي، وتقوم بمحاولات التشكّل عن طريق تجربة الصواب والخطأ، أي محاولة تجربة المُمارسات السياسية بشكل مُمنطق، بما فيه من ظواهر التعصّب والاستقطاب والديكتاتورية والمشاركة الديمقراطية، والتعبئة في الأحزاب، والتنظيم السياسي، وممارسة الفكر السياسي اليميني واليساري والديني، والنشاطات السياسية الإعلامية والإنسانية والأكاديمية والثقافية.

تمرّ الهوية الاجتماعية السياسية العربية بحالة من التذبذب وعدم الاستقرار

أما في حال وصفنا الهوية الاجتماعية بالهُويّة المقيدة، ولها مسمىّ آخر أيضا، هو الهوية المنغلقة Foreclosured Identity على الصعيد السياسي، فهذا يعبّر عن واقع سياسي شائع في البلدان المستعمَرَة، وتتمثّل من خلال التزام الأفراد بالخيارات المُتاحة والتقيّد بها، من دون محاولة النقد والتمرّد على الواقع السياسي أو محاولة استكشاف بدائل أخرى، وهذا يمثّل واقع التمثيل السياسي في الضفّة الغربية كمثال واضح، إذ تتعطّل فيه الحياة الديمقراطية بسبب استبداد السلطة وتفرّدها بالحكم ورفض أيّ اقتراح من غيرها في مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني، حتى محاولات إصلاح منظمة التحرير هي مسألة تواجه عقبات تجبر الفصائل الفلسطينية على عدم التهّور بأيّ خطوة جديدة ولا حتى العودة خطوة إلى الخلف. فهذه الحالة ينطبق عليها شروط الهُويّة المُقيّدة، التي يتدنى فيها مستوى الاستكشاف ويرتفع مستوى الالتزام بشكل طاغ على الاستكشاف.

السؤال الذي يراود القارئ الآن، ماذا لو انتقلت الهُويّة الاجتماعية إلى حالة تعليق الهوية (أو تأجيل الهُويّة Identity Moratorium) وهي المرحلة الثالثة من مراحل تشكّل الهُويّة الاجتماعية حسب مارشيا، وتنصّ هذه المرحلة على أنّ الاستكشاف ينشط مرّة أخرى ولكن برؤيا جديدة، ويتدنى الالتزام والتوافق مع الخيارات المُتاحة، بهدف استكشاف ناقد لبدائل عنها، ويمكن اعتبار الهُويّة الاجتماعية السياسية في فترة ما بعد الربيع العربي في تونس، هي مثال واضح وممارَس لمرحلة الهُويّة المؤجّلة، أو المقاتلة، والتي سنتوسّع بالحديث عنها في مقال قادم.

تانيا كرجة
تانيا كرجة
باحثة وكاتبة في مجال الفلسفة وعلم النفس، والقضايا الجندرية، خريجة ماجستير علم النفس المجتمعي من جامعة بيرزيت.