المنفلوطي تحت المجهر (1)

23 نوفمبر 2020
+ الخط -

في بيت من بيوت الأشراف، وُلد مصطفى محمد لطفي محمد حسن المنفلوطي، والده - ومن قبله جده - اشتغل بالقضاء الشرعي، ما جعل بيتهم قِبلة للأدباء والفقهاء وأرباب الكلام. يتفق في طيب الأرومة وحسن السيرة مع الرافعي (الأديب العلم)، ولأنه أكبر إخوته، فقد نشأ في مجلس أبيه، تتلقّف أذناه أطايب الأحاديث الأدبية، ما أغراه بحب الأدب وأهله.

اختلفوا في تاريخ ميلاده؛ فمن قائل إنه أبصر النور في الثالث من ديسمبر/ كانون الأول 1876، ومن قائل قبلها بعام، إلا أن خير الدين الزركلي (في الأعلام) يدون لنا ميلاده في 30 ديسمبر 1874. تلقى دروسه الأولى في كتَّاب الشيخ جلال الدين السيوطي، وحفظ القرآن الكريم دون العاشرة، ثم نهد إلى القاهرة للتعليم الأزهري هرباً من زوجة أبيه.

لم يكن هناك وحيداً، بل برفقة السيد الأزهري (من أبناء عمومة أبيه)، واستقرّ به المقام في "سكة الطماعين" (تبعد عشرات الأمتار عن الجامع الأزهر ومسجد الإمام الحسين. سُميت بالطماعين نسبةً إلى طمع الطلاب في التزوُّد من العلم وعدم اكتفائهم منه أو صدّهم عنه). وخلال سني الدراسة، أقبل على كتب الأدب القديم قراءة وحفظاً، وتعلقت نفسه بالعقد الفريد ورسائل الجاحظ وكتابات ابن المقفع وابن العميد وعبد الحميد.

عاتبه قريبه مراراً لتغليبه الأدب على المقررات الأزهرية، ولم يزحزحه ذلك عن حبه الأول للكلمة وولعه بمسالكها، وجراء خلاف شخصي - لا نعلم حقيقة ملابساته، وإن زُعم أن للأدب له فيه يداً - أقلع عن التعليم الأزهري، وسلك دروب الأدب دون أن يعبأ بحمل شهادة ما. في هذه الأثناء توصّلت أسبابه بالشيخ محمد عبده، وأُعجب بشخصيته كل العجب، حتى إنه لزمه 10 سنين ملازمة المريد لشيخه.

أعلِن الدستور في 28 فبراير/شباط 1922، واستصدر نشأت باشا عفوًا من الملك عن المنفلوطي، وعيِّن محرِّرًا عربيًّا (باشكاتب) في السراي، والتمس أن يُنقل منها إلى مكانٍ آخر، وساعده زغلول فنقله إلى مجلس الشيوخ، أواخر 1923

من خلال الشيخ عبده، توطدت علاقة المنفلوطي بالشيخ علي يوسف (صاحب جريدة المؤيد)، الذي حصل على رتبة الباشوية مع قلة نصيبه من العلم، وكذلك الزعيم - لاحقاً - سعد زغلول، ولدماثة خلقه وكرامة أصله ارتفعت مكانة المنفلوطي في نفوسهم، وعاملوه بما هو أهله من رفعة وتقدير.

لمسوا فيه إخلاصاً عبر السنوات، وحبّاً لبلاده يفوق الوصف، وإن جرّ عليه بعض المشاكل على المستوى الشخصي. من ذلك أنه كتب قصيدة - قبل أن يبلغ الحادية والعشرين - في أثناء عودة الخديوي عباس حلمي من إسطنبول، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1879، نُشرت بين أيدي مستقبلي الخديوي، يقول مطلعها (قدومٌ ولكن لا أقول سعيدْ/ ومُلكٌ وإن طال المدى سيبيدْ).
أحدثت القصيدة ضجة كبرى في ربوع القاهرة، ونُشرت بمجلة "أنيس الجليس" - وكانت تصدر في الإسكندرية - وجريدة "الصاعقة" - وكان صاحبها أحمد فؤاد من الأدباء المعروفين يومها - واتُّهم بالعيب في الذات الخديوية، وحُكم عليه بالسجن عاماً بكامله، وحُبِس في سجن الحوض المرصود (بالسيدة زينب).

لم يغفر له أن بعضهم نسب القصيدة إلى السيد توفيق البكري، ولم يقبل هو نصيحة أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي نصحه بتغيير بعض كلمات القصيدة لتصبح (قدومٌ ولكنِّي أقول سعيدْ/ ومُلكٌ وإن طال المدى سيزيدْ). في القصيدة ذاتها، وإن أكال الذمَّ للخديوي إلا أنه في نهايتها امتدح الاحتلال الإنكليزي، ولربما جاء ذلك تأثراً بالاتجاه السائد، إذ كانت عادة من يهاجم الخديوي أن يتملّق الإنكليز؛ ليجد من يدفع عنه نِقمة السراي.

أمضى ستة أشهر في السجن، وتمكَّن الشيخ عبده من استصدار عفو عن تلميذه، وخرج من السجن بنفسٍ غير التي دخلها به. ربما لم يتوقع أن يُسجن في هذا العمر، وتقوقع على نفسه بعدها وآثر التحفظ في الحياة العامة، وإن لم يتحفظ في حياته الخاصة من الخوض في الشأن العام.

لم يُخرجه عن تحفظه إلا ثورة 1919، لدرجة أن رئيس الوزارة حينها ثروت باشا لمحه في شارع الجمهورية فأوقف سيارته ونزل منها مهدِّداً المنفلوطي إن لم يُمسك عن كتاباته النارية في "كوكب الشرق" ضد الحكومة ممهورة بتوقيع (لكاتب كبير)، فما كان من صاحبنا إلا أن قال: "وهل أنا الذي أكتبها؟ إنما تكتبها زوجتي"، ولم يتراجع عن موقفه. أنعشت الثورة جزئياً روحه الثائرة المتوثِّبة، فأصدر رواية مُترجمة عن الفرنسية تحت اسم "في سبيل التاج"، وأهداها إلى سعد زغلول.

ليس ذلك فحسب، إنما ألَّف كذلك كتاباً يحمل عنوان "القضية المصرية"، لم يُكتب له الخروج من الطابع قط، وإن لم يحمل الكتاب اسم المنفلوطي صراحةً، لكن الأسلوب وشى بصاحبه" فـ"الأسلوب هو الرجل"، وفُصِل من عمله بعد مصادرة حكومة ثروت باشا للكتاب. أصدرت كذلك سلطات الاحتلال الإنكليزي قراراً بالقبض عليه، وتوسَّط محبوه لوقف القرار ونجحوا في ذلك.

أعلِن الدستور في 28 فبراير/ شباط 1922، واستصدر نشأت باشا عفواً من الملك عن المنفلوطي، وعُيِّن محرِّراً عربياً (باشكاتب) في السراي، والتمس أن يُنقل منها إلى مكانٍ آخر، وساعده زغلول فنقله إلى مجلس الشيوخ، أواخر 1923.

لبى المنفلوطي داعي ربه والكتاب رهين أدراجه، وحاول الورثة جهدهم أن يطبعوه سنة 1929، فوقف لهم صدقي باشا (وزير الداخلية في حكومة ثروت باشا) بالمرصاد، ثم ولِي صدقي الوزارة وصادر الكتاب للمرة الثالثة؛ فغسل الورثة أيديهم من الكتاب وأقلعوا عن فكرة إخراجه للناس.
بالعودة إلى ما قبل ذلك، تحدثنا المصادر أن والده ساقه بين يديه إلى منفلوط بعد خروجه من الحوض المرصود، بيد أن مصادر أخرى تقول إنه عاش في كنف الشيخ عبده، وكتب مقالات اجتماعية في "الصاعقة" و"المؤيد" و"مصباح الشرق" بتشجيع من شيخه، فلما قضى عبده في 11 يوليو/ تموز 1905، عاد المنفلوطى إلى أسيوط لائذاً بها من الوحدة، وتزوج وقرر أن يُكمل بها مستقبل عمره.

شاءت الأقدار أن يراسل الشيخ علي يوسف بعد عامين، ويبدأ كتابة مقال أسبوعي كل اثنين تحت عنوان "النظرات"، وكانت مقالاته تملأ السمع والبصر ويتناقلها الناس تناقل الشعر على الألسنة، ما أغراه بتجميع مادتها في كتابٍ ذائع الصيت بالعنوان نفسه، أخرجه عام 1910 في ثلاثة أجزاء، وهو باكورة مؤلفاته.