المنافع المتبادلة بين السلطة والعِمامة والعَباءة

29 نوفمبر 2025
+ الخط -

نشوء سلطة ما، ذات أهداف استبدادية وشمولية في بيئةٍ مجتمعيّةٍ يغلب عليها طابع ديني وقَبَلي، يدفعها نحو اتّباع سياسة الاستقطاب الناعم؛ لجذب جموع شعبية واسعة إلى صفّها، خاصّة الجموع التابعة لتيارات دينية أو اجتماعية وغيرها، ممّا يسهّل الوصول إليها وتحصيل المنافع منها من خلال رموزها التي تتبعها.

وقد وظّف النظام البائد أداتين؛ حادّة وناعمة، في سبيل بقائه ومدّ عمره، فكان البطش أداته الأبرز، وفروعه وسجونه وضحاياه خير برهان، وإلى جانب ذلك عزّز سلطانه عبر ارتدائه عمائم شيوخ دين وعباءات شيوخ قبائل؛ لأنها تمثّل أوسع مكوّنات المجتمعات السورية، علمًا أنّه (رئيساً وحزباً) لا ينتمي لذلك، وقد خاض حربًا ضدّ الأحزاب الإسلامية، ويتشدّق بالوقوف في وجه العمامة والعباءة ويدعو لفسخهما، ولكنه ارتداهما تِرْساً لتحصين ملكه، وستراً لعورته الاستبدادية.

وفي سياق تمدّد ذلك النظام، برزت شخصيات دينية وقَبَلية عديدة كواجهة مباشرة وغير مباشرة له، وكانت تمارس وظيفتها الدينية والاجتماعية من دون أن تشعر بأنّها في خدمته، وبعضها وُظِّف لذلك، فكانت لهم حظوتهم الشخصية ومنفعتهم، فيما كان التهميش والفقر من نصيب الشرائح التي يمثّلونها، رغم ظنّها أنّ وجود رموزها على مقربة من السلطة هو تمثيل لجوهر انتمائها، ولكنه تمثيل وهمي غير حقيقي، تنتج عنه المنفعة المُتبادلة للأذرع الثلاثة، ولا تطاول الجسد الشعبي إلا في الجانب المعنوي.

الحياة الكريمة والحرية والعدالة يجب ألا تُسلب منهم، لتنعم بها شخصيات رمزية تزداد غنى على حساب فقر الآخرين

مع انطلاق الثورة السورية ازداد بطش النظام، وزاد اهتمامه بالعمامة والعباءة؛ لاستقطاب المُناصرين له، على الرغم من وقوف شيوخ دين وقبائل في وجهه وانشقاق آخرين عنه، واصطفافهم ضدّه، ولكنه أخذ يُصدّر، بقوّة أكبر، شخصيات دينية وقبلية، ويشكّل مجالس وهيئات لها؛ سعياً منه لاحتواء أكبر قدر من الحشود؛ ومواجهة مثيلاتها في الطرف المعارض.

طال أمد المواجهة مع النظام وازداد الانقسام واتسع الخرق، فلم يعد قادرًا على جذب كلّ تلك الشرائح الدينية والمجتمعية؛ لأنّ بعضها لم يعد يأبه بتلك الرموز التي يُفترض أنّها تمثّله، ناظرًا إليها على أنّها أدوات وظيفية في خدمة النظام، إضافة إلى وجود رموز مُماثلة في الجهة المقابلة، أخذت تسحب البساط من تحت الرموز الموالية، فهذه الأداة لم تكن حكرًا عليه. ومع اقتراب نهايته وقعت تلك الشخصيات والرموز في موقف حرج، وأصبحت منبوذة مطرودة، وفقدت كثيرًا من رمزيتها مع سقوطه.

الأجدر بالسلطة العادلة أن تمنح المجتمعات مطالبها من دون وسيط

لم تكن العباءة والعمامة رداءً من حرير ترتديه السلطة فقط، بل كانتا في مواقع ومواقف أخرى رداء من نار اكتوت به، عندما صرخ كثير منهم في وجهها، لينالوا نصيبهم من عذابها ما بين قتل وتشريد. والأجدر بالسلطة العادلة أن تمنح المجتمعات مطالبها من دون وسيط، ولا تعزّز تبعيّتها للرموز الوظيفية التي تنال الامتيازات، والأتباع غارقون في الفقر والتهميش.

ارتقاء الوعي الفردي والجماعي يزيح تلك الأداة من يد أيّ سلطة قائمة أو قادمة، وهذا الأمر قد يكون صعبًا في المجتمع السوري في المدى القريب، على الرغم من ظهور حالات رفض كثيرة للرموز التي تؤيّد الظلم والإجرام والاستبداد، وهذا مؤشّر حسن وإن كان ضئيلًا، فحقوق الناس في الحياة الكريمة والحرية والعدالة يجب ألا تُسلب منهم، لتنعم بها شخصيات رمزية تزداد غنى على حساب فقر الآخرين.

مسعود الخلف
مسعود الخلف
كاتب وباحث سوري، ماجستير في اللسانيات والمعجمية العربية من معهد الدوحة للدراسات العليا، صدر لي مجموعة قصصية (البندقية الأخيرة)، وأبحاث علمية محكمة منشورة في مجلة عمران للعلوم الاجتماعية ومجلة الفرات، ومدونات منشورة في العربي الجديد والجزيرة.