المعرفة بين الفصل والوصل

04 يونيو 2026
+ الخط -

منذ سنوات قرأتُ أكثر من كتاب للكاتب العراقي علي الشوك (1929 - 2019) منها أسرار الموسيقى، وتأملات في الفيزياء الحديثة، وكتابه عن الروائي الفرنسي ستندال. علي الشوك هو في الأصل دكتور في الرياضيات، ولكنه على ولع كبير باللغة والموسيقى والأدب، وله اطلاع واسع مكَّنه من كتابة أعمال تُقرأ بمتعة لغتها المتينة ومضمونها الثَّري الذي يُعبِّر عن تَمكُّن من مجالاته، ووضوح في الأفكار وسلاسة في التعبير، ونزعة سردية فاتنة تشد القارئ إلى النهاية. وما لفتني وقتها هو هذا الجمع بين الاختصاص في العلوم الصحيحة والانفتاح على الأدب والفكر والعلوم الإنسانية عموماً. ما ذكرني به هو نموذج آخر، هو عالم الرياضيات والمفكر المغربي محمد الخمسي الذي شاهدت بمتعة كبيرة حلقة حوارية معه على قناة مجتمع على يوتيوب، وهي متعة نابعة من عدة أمور:

أولاً، نوعية الضيف واهتماماته التي تجمع بين الرياضيات، اختصاصه الأساسي الذي درسه في البوليتكنيك، أرقى الجامعات العلمية الفرنسية، والعلوم الإنسانية من خلال اهتمامه بالفلسفة والقضايا الفكرية والحضارية، وهي اختصاصات ما زلنا، في العالم العربي، نعتقد بأنفصالها وما زلنا نعمل وفق هذا الاعتقاد على المستوى الفردي والمؤسساتي في الجامعات ومراكز البحث. وحتى الذين خرقوا هذا الفصل قاموا، في الغالب، بذلك بجهد خاص وبتكوين ذاتي. هذا الجمع نادر لدى نخبنا العلمية ويزداد ندرة إذا أردنا جمعاً يتجاوز المعرفة إلى الربط بينها واستثمار ذلك في التحليل، والتفسير، واقتراح الحلول والمبادرات. كل من مر بالجامعة يدرك حجم المسافة بين هذه الاختصاصات، حيث الكليات في الغالب منفصلة عن بعضها كجزر لا رابط بينها، سواء في البناءات أو في البرامج أو في العلاقات بين الطلاب والأساتذة والباحثين. وهو وضع قديم ولم يتغير منذ عشرات السنين. في واقعنا أمثال محمد الخمسي عددهم قليل، مع أن ذلك هو المطلوب في عالم مركب نحتاج فيه كما يقول إدغار موران "أن نربط بين المعارف بدل أن نُجزّئها".

ثانياً، منهجيته الواضحة في عرض الأفكار المتعلقة بنقد الواقع ورؤيته لتحقيق النهضة في العالم العربي، والتي يمكن اختصارها في قوله بأن التقدم يحتاج إلى رؤية حضارية، وهو ليس تقنية فحسب، كما أنه لا يُنتج بضغطة زر، بل يحتاج إلى زمن طويل. فهو يُبنى بالتراكم وعماده النخبة التي يجب أن تكون منتجة للمعرفة ورابطة لها بالواقع. هذا الوضوح في التصور والمدعوم بأمثلة لتقريب الأفكار يُبيّن أثر الرياضيات التي يقول عنها محمد الخمسي إنها ليست مجرد أرقام، بل هي لغة لفهم الكون وتنظيم التفكير، وبأثر الفلسفة أيضاً التي أشاد الخمسي بقيمتها وأهميتها خاصة في ما تبثه من روح نقدية. تحدث الخمسي بكل سلاسة ووضوح في عدة قضايا كإصلاح التعليم، وشروط تحقيق النهضة، والتفكير الاستراتيجي وتحديات الذكاء الاصطناعي وآثاره.

وثالثاً، لولع قديم لي بالرياضيات في زمن الدراسة عندما كنت أتساءل عن حاجتنا لها وكيف يمكن توظيفها. من بين ما أذكره أنني كنت أفسر اختلافي مع أصدقائي في تقييم أمر ما بالعودة إلى الفضاء الإقليدي ومفاهيم المعين والنقطة وإحداثياتها. فكلما غيرنا المعين (repère) تغيرت إحداثيات النقطة، مع أن النقطة هي نفسها، فموقفي وموقف أصدقائي هما نتاج معينين مختلفين، أي نظرتين مختلفتين وهو ما يجعل مقولة الصحة والخطأ في الموقف مقولة نسبية. مثل هذا الوضع لا يجعلنا أنا وأصدقائي في موقعين متقابلين: المخطئ والمصيب أو الفائز والمنهزم، بل في نفس الحلبة حيث التطور في الموقف ممكناً للجميع. هي من الأفكار البسيطة لسنين الشباب الأولى والتي كانت نتيجة ذلك الولع بالرياضيات، الرياضيات التي امتدت إلى الشعر أيضاً في هذا النص الذي كتبته منذ سنوات قليلة:

رياضيات

وحدهم أصدقائي يعرفون ولعي بالرياضيات.

كثيراً ما يُذكِّرونني بليالي الشتاء الباردة

في القاعة رقم 1. القاعة المبنية بهندسة نشاز.

القاعة المبنية على أطراف المعهد.

المعهد المشيّد على أنقاض مزرعة أحد المعمرين،

حيث آثار كائناتها ما زالت مبثوثة في كل الزوايا.

في القاعة رقم 1،

أكشف عن ولعي بالرياضيات.

على الطاولة، ملفوفاً في "قشبيتي" السوداء،

أجلس منهمكاً في حل مسائلها بتركيز لا يضاهى.

مع ولعي هذا،

أعترف أنني لم أُدرك بعض حقائقها إلا الآن،

في الخمسين،

كالفارق بين نقطتين: مركز الدائرة، نجمة مضيئة

وتلك التي على الحافة،

وحيدة،

لا شيء يمسكها عن السقوط.