المعذبون في الأرض!
يحدث أن تستيقظ صباحًا وتستقرّ على الذهاب إلى مقابلة عمل، ثم فجأة تنهال الاتصالات على هاتفك، في حالةٍ لا تنفي الشك في أن شيئًا ما قد وقع! تنظر إلى هاتفك مذهولًا: لا بد من مصاب... لا بد من شيءٍ ما ملحّ.
تسترسل في مقابلتك وتؤجل الإجابة إلى حين الانتهاء. أخرج من مقابلتي وأهرع إلى هاتفي، فأجد صديقتي ماري تلحّ بالاتصال، فينقبض قلبي.
“ريما، إنتِ وين وليش ما بتردي؟”
أقول لها: "في غزة".
أشعر بها أنها تتنفس الصعداء، ثم ألمحها بسهم سؤالي في دعابة: "شو في؟ قلقتوني، أنا هربانة منكم؟".
تقول لي: "في استهداف قبال بوابة المستشفى، فكرتك هناك!"
للحظات، ينقبض قلبي ويقشعر بدني وأنا أتذكر عبارة غسان كنفاني: "احذروا الموت الطبيعي، لا تموتوا إلا بين زخات الرصاص". لكنني اليوم أقرأ عبارته من مكان آخر، من غزة التي جعلتني أتساءل عن المعنى الذي أراده كنفاني للموت بين زخات الرصاص. ماذا لو أن الموت بين زخات الرصاص لم يعد اختيارًا أو موقفًا، بل صار قدرًا يوميًّا يُفرض علينا؟ وهل كان كنفاني يتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه الموت الذي حذّر منه هو نفسه الموت الذي نترقبه كل لحظة؟ أن يصبح الموت بين زخات الرصاص ليس موقفًا نختاره، بل قدرًا يُكتب علينا لأننا فلسطينيون، وأن تتحول غزة إلى مكان يُختبر فيه معنى البقاء كل يوم، لا معنى الحياة فقط؟
هل كان كنفاني يتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه الموت بين زخات الرصاص قدرًا يُكتب علينا لأننا فلسطينيون، وأن تتحول غزة إلى مكان يُختبر فيه معنى البقاء كل يوم، لا معنى الحياة فقط؟
المشهد هنا مكان في زمان، ينبض بإيقاعات اللحظة وبنية شعور مجموع من المكلومين؛ حلم كالغول سيأكلنا لاحقًا واحدًا تلو الآخر.
على بُعد 20 كيلومترًا فقط من خيمة الصحافيين داخل مستشفى شهداء الأقصى، قررت إسرائيل قتل شخص بعينه، لكن الاستهداف لم يطاوله وحده؛ فقد خلّف أضرارًا في المكان وأصاب آخرين. مشهدٌ يعيدني إلى خطاب خرج به أحد قياداتنا يومًا، في ذروة الحرب على غزة، واصفًا أعداد الشهداء، التي بلغت 70 ألف شهيد، وتدمير أكثر من 80% من المساكن السكنية للغزيين، بـ"الخسائر التكتيكية". فكيف يمكن أن تُختزل كل هذه الأرواح التي أُزهقت، وكل هذا الخراب الذي طاول حياة الغزيين وبيوتهم، في مصطلح كهذا؟ وهو مصطلح، في تقديري، لا يدعو إلا إلى الاشمئزاز، ويستدعي مراجعة هذه الخطابات، أو لا بأس من تصفح "لسان العرب" أو أحد المعاجم الحديثة لمعرفة محمول المفردة من دلالات وإيحاءات.
ليس المقصود بهذه الإشارات الحديث عما يروقني أو عما أخافه، بل الغرض هو القول إننا نموت هنا في غزة، في مسرح مفتوح، مرن وفضفاض، أقرب إلى حوت الأسطورة في قدرته على ابتلاع أجسام كاملة. لكن المفارقة في بنية هذا المسرح المتخيَّل، ومسرح الحياة الذي اسمه غزة، أن أحداث القتل المتلاحقة، التي يذهب ضحيتها كل يوم عدد من الغزيين، ليست غامضة، والمثير للدهشة هو كيف يتم توثيق هذه التفاصيل المدهشة، وثيمة السفينة الغارقة.
لما يقرب من ثلاث سنوات، وضعت نفسي بشكل كامل في فعل الكتابة. لم أوفّر جهدًا ولا اهتمامًا، في ظل ظروف مستحيلة. ولكن ما جدوى الحماس والتفاني إن كان الواقع اليومي المعيش مجرد نسيج من الأكاذيب والخسّة وازدراء الإنسان؟
لشهور عديدة، كان ضميري موقعًا لسجال لا يُغتفر، انتهى بالعزم على ألا أيأس من الإنسان؛ أي ألا أفقد الأمل بنفسي، وأن أتجاوز غربتي في البيئة المحيطة بي. وأعرف جيدًا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن العربي سيظل غريبًا في بلاده بشكل دائم، يعيش في حالة من الاغتراب المطلق.
ولعلّ أقسى ما يفعله الوجود الاستعماري أن يجعل الإنسان غريبًا في المكان الذي ينتمي إليه، وأن يتركه في مواجهة دائمة مع سؤال الانتماء والمصير؛ فالاستعمار لا يحتل الأرض وحدها، بل يترك أثره في الوعي، في علاقتنا بأنفسنا وبالمكان وبالمستقبل، ويجعل السؤال عن الغد يبدو أحيانًا أكثر قسوة من السؤال عن اليوم.
وربما لهذا تبدو المقاومة، في غزة اليوم، أوسع من أن تُختزل في معنى واحد. هناك مقاومة من نوع آخر تجري في التفاصيل اليومية، في محاولات الناس استعادة شيء من حياتهم، وفي البحث عن الماء والعلاج والتعليم، وفي محاولة تأمين بيت آمن، وفي رغبة الإنسان في أن يعيش حياة عادية، وأن يعرف إلى أين يذهب، ومن يدير شؤونه، ومن يحمي حقوقه الأساسية.
يحاول الناس أن يديروا ما تبقى من حياتهم وسط هذا الركام، وتُبذل محاولات لإدارة القطاع واستعادة شيء من النظام، لكن المشهد لا يزال غارقًا في الضبابية. لا أحد يعرف على وجه اليقين إلى أين نمضي، ولا كيف ستُدار غزة، ولا أي مستقبل ينتظر أهلها. وفي ظل هذا الانعدام للأفق، لا تعود الأسئلة الكبرى ترفًا سياسيًّا؛ يصبح سؤال "إلى أين نحن ذاهبون؟" جزءًا من حق الإنسان في أن يعرف مصيره.
ربما لهذا كله، أجدني اليوم أفكر في المقاومة بوصفها فعلًا يتجاوز مجرد القدرة على الصمود أمام الموت. المقاومة أيضًا هي أن يستعيد الإنسان حقه في أن يتخيل مستقبلًا، وأن يطالب بحياة لا يكون فيها البقاء هو الإنجاز الوحيد. أن نستعيد حقنا في السؤال، وفي الاختلاف، وفي بناء ما تهدم، وفي أن نعيش دون أن يكون كل اتصال هاتفي نذيرًا بالموت، ومن دون أن يصبح كل غياب قصير عن الهاتف احتمالًا للفقد.
فما الذي يبقى للإنسان حين يُسلب منه المكان، ويُحاصر في يومه، ويُدفع إلى العيش في انتظار المجهول؟ ربما يبقى له أن يقاوم محاولات تحويله إلى مجرد رقم، وأن يتمسك بحقه في أن يكون إنسانًا كاملًا، لا ضحية دائمة ولا رقمًا في حصيلة القتلى. وربما تكون هذه، في النهاية، إحدى صور المقاومة التي نحتاج أن نتحدث عنها اليوم: مقاومة اليأس، واستعادة المعنى، والبحث عن طريق للخروج من هذه السفينة الغارقة، لا الاكتفاء بتوثيق لحظات غرقها.