المصير المتشابه لكبيرات السن
سلوى زكزك
قد نظن لوهلة أن مصير كبيرات السن الفرنسيات يختلف تماماً عن مصير كبيرات السن السوريات. في الحقيقة، تبدو المقارنة غير متوازنة من أساسها، لغياب أي تشابه في أنظمة الدعم والحماية الاجتماعية، ولا سيما الموارد المخصصة للشيخوخة بشكل عام، والقوانين الناظمة للتأمين الصحي والنفسي والاجتماعي لكبيرات السن المعمول بها في فرنسا، والغائبة كلياً في سورية. لكن التشابه قائم، وإن بشكل فردي، خاصة أن جميع أنظمة الدعم الصحي والنفسي والاجتماعي الفرنسية، مهما بدت شمولية وتغطي مختلف الاحتياجات، إلا أن نقصاً ما يطفو على السطح في الحالات الخاصة، أو غير المعلنة، أو غير المأخوذ بها عند دراسة الاحتياجات.
تقول لورا إن جدتها، البالغة من العمر تسعين عاماً، تبدو بصحة جيدة وقادرة على الاعتناء بنفسها بصورة آمنة ومريحة، خاصة مع توافر خدمات صحية واجتماعية وعائلية مميزة. لكنها، منذ خمس سنوات، باتت مذعورة من النوم وحيدة في منزلها. تلقت العائلة حينها الكثير من الاتصالات، بعد العاشرة ليلاً، فقط لتطمئن إلى أن أفراد أسرتها جاهزون لمساعدتها أو القدوم إليها فوراً. رفضت الانتقال إلى منزل أحد أبنائها، كما رفضت الانتقال إلى دار للمسنين، وهي في الأصل غير قادرة على تحمل نفقاتها المرتفعة. كما فشلت، بعد وقت قصير، جميع الأدوية المهدئة والمنومة في مساعدتها على الاستسلام للنوم بهدوء وطمأنينة.
مريم، سيدة سورية ثمانينية، تعيش بمفردها، لكن أضواء منزلها تبقى مضاءة حتى الصباح، ولا يجد النوم إليها سبيلاً إلا بعد الرابعة فجراً. حاولت مراراً التعاقد مع سيدة أو شابة مقابل أن تبقى معها ليلاً لمدة عشر ساعات، تبدأ عند التاسعة مساءً وتنتهي عند السابعة صباحاً، لكن أحداً لم يقبل بعرضها. كما رفضت ترك منزلها والانتقال إلى مأوى للعجزة، وجميع أقاربها في مثل سنها، وغير قادرين على البقاء معها ليلاً كما ترغب. تقول مريم: لماذا لم يفكروا بصعوبات النوم وبحاجتنا إلى من يحدثنا، ومن نتبادل معها أطراف الحديث؟ إن التدابير الإيجابية والإنسانية للشيخوخة لا تقتصر على وصفات الأدوية، ودور العجزة، والاتصالات العاطفية البعيدة المفتقدة لمعنى التواصل الحقيقي.
تبدو السيدتان وكأنهما حالتان نخبويتان، في ظل التراجع العام في مستوى معيشة النساء في العالم، لكنها مشكلة حقيقية قد يزداد عدد المشتكيات منها، خاصة مع ازدياد أعداد المتقدمين في العمر، ولا سيما النساء.
فلورنس، سيدة فرنسية في الخامسة والستين من عمرها، تعمل مساعدة طباخة في مركز لكبيرات السن. تواصل العمل رغم تجاوزها سن التقاعد، لرفع قيمة راتبها التقاعدي، لأن سنوات عملها القليلة لم تؤمن لها راتباً تقاعدياً كافياً يغطي احتياجاتها الأساسية، خاصة بعد رفع سن التقاعد في فرنسا إلى الرابعة والستين.
تتشابه أحوال كبيرات السن عبر العالم في قلة الموارد والخدمات الأساسية، وضعف الأمن الصحي والاقتصادي والاجتماعي، كما تتشابه في غياب الاستجابة الشاملة للاحتياجات النفسية والاجتماعية
وفي سورية، تبالغ تغريد في التقتير كي يكفيها الراتب التقاعدي الضئيل الذي ورثته عن زوجها. ورغم جميع الارتفاعات الطارئة، فإنه لا يزال دون حد الكفاف. لذلك تلجأ إلى قطف ورق العنب وبيعه، أو تعمل بالأجر اليومي في قطف الفاصولياء والتفاح في حقول قريتها الصغيرة. وهناك نساء كبيرات في السن، في مختلف أنحاء العالم، يعشن على المساعدات الاجتماعية العينية الرديئة أو غير الكافية، كما تفتقد غالبية كبيرات السن إلى برامج الحماية من الشيخوخة وأمراضها واحتياجاتها الخاصة، وإلى مختلف أشكال الرعاية الأساسية والمتخصصة الموجهة إليهن وفق احتياجاتهن.
تتشابه أحوال كبيرات السن عبر العالم في قلة الموارد والخدمات الأساسية، وضعف الأمن الصحي والاقتصادي والاجتماعي، كما تتشابه في غياب الاستجابة الشاملة للاحتياجات النفسية والاجتماعية، مثل توفير رفيقات لأوقات محددة، ولا سيما أوقات النوم، والأوقات القاسية الخالية من التواصل الإنساني المباشر، وهو ما يشكل تحدياً للأمان النفسي لدى النساء المتقدمات في العمر، حتى وإن ساعدتهن مواردهن على تحقيق الاكتفاء الاقتصادي.
وفي ظل تباين مستويات وتفاصيل برامج الدعم في بعض البلدان، وغيابها التام في بلدان أخرى، تتجدد وتتفاقم مشكلات كبيرات السن، لتتحول فعلياً إلى قضايا إنسانية تحتاج إلى حلول متجددة ونوعية.