المجنون فريد ابن أبو خلّو (2)

27 فبراير 2021
+ الخط -

عندما تلقى المجنون "فريد ابن أبو خلو" نبأ القرار الذي اتخذه والدُه بسجنه في الغرفة التي لها نافذة مطلة على الزقاق هلل وكبر، وأبدى فرحاً جعل أباه وأمه وكل أفراد أسرته يندهشون، والحق معهم في ذلك، إذ لا يوجد إنسان حر وطليق في العالم يفرح بالسجن! ولكن لفريد فلسفته الخاصة التي عَرَضها على والده قائلاً بكل جدية:

- هادا عين العقل ياب، لما بتحطني بهاي الغرفة، وبتقفل علي الباب من جوة، بترتاح من همي، وما عاد كل شوي ينط لك واحد من الناس ويقول لك (فريد عمل كذا وفريد عمل كيت).. وبتروح إنته وخليل وأحمد ع الفلاحة وما بتبقى خايف من شي، ومن كتر ما بترتاح بتبطل تفلح خَطّ واحد (ثلم) من دون ما توقف وتصيح موال من تبع المسجلة..

وعندما وصل بكلامه إلى الموال، وضع يده على أذنه وصار يغني:

حِنَّكْ نَصَف حِنَّكْ توم  

وأنا وحدي اللي فَسيت

كمال (ضاحكاً): أنا بعمري ما سمعت بهيك موال. هادا من تأليف فريد؟

أبو المراديس: لا والله، هادا من تأليف أمير الشعراء أحمد شوقي. يا سيدي كان فريد بوقتها بده يغني لمحمد عبد الوهاب (كل اللي حب انْتَصَفْ- وأنا وحدي اللي شكيت)، بقى ما تواخذنا، فريد هيك حافظها! وبعدما انسجن فريد، ومن خلال إطلالته الدائمة ع الزقاق، صار يغنّيها للولاد اللي بيمرقوا في الشارع، والولاد عملوا عليها تحوير تاني، وصاروا كلما شافوا فريد يغنوا له: (حِنَّكْ بَصَلْ حِنَّكْ توم).. وعلى فكرة هيك أحسن لأن البصل والتوم في بيناتهن صلة قرابة. بدليل المتل الشعبي اللي بيقول: أمك البصل وأبوك التوم، من وين تجيك ريحة المسك يا ميشوم؟

كمال: ذكرتني بحكاية واقعية بطلها الفنان الراحل عبد القادر عبدللي، إذا بتعطوني دقيقتين بحكيها.

أبو محمد: بس دقيقتين؟ خود ساعة. نحن عم نجي ع السهرة لحتى نحكي ونتسلى. أشو ورانا؟ تفضل.

كمال: الفنان عبد القادر كان عنده مشكلة، إنه طول حياته ما داق البصل ولا التوم، بيكره هالمادتين من وقت وعي ع الدنيا. هوي كان مدرس في ثانوية الفنون بإدلب، وفي الصيف كانت مديرية التربية تعمل له مهمة إيفاد مع مجموعة من المدرسين لمحافظة تانية منشان تصحيح أوراق الثانوية الفنية على مستوى القطر. ومرة بعتوهن ع حمص لمدة أسبوع. هوي جاب حقيبة زغيرة، حاطط فيها بدلات داخلية، وعدة حلاقة، وفرشاية سنان، وعلقها بكتفه وراح ع المكان اللي راح تنطلق منه السيارة. لما وصل اندهش، لأنه في واحد من زملاؤه كان آخد معه حقيبتين كبار وسلة (قرطال)، حاطط فيها بصل وتوم وكزبرة وفليفلة حمرا مقددة، وهيك شي. قال له عبد القادر:

- لأيش كل هالحقائب والقراطل يو خاي؟ نحن رايحين ع حمص، مدينة كبيرة، فيها مطاعم وكل شي.

ضحك الزميل باستهزاء وقال له:

- أشو عم تحكي يا أبو خيرو؟ حدا بياكل في المطاعم؟ أنا آخد معي برغل ورز وزيت وفاصولية بيضا، وفليفلة مطحونة وبصل وتوم، نحن رايحين حتى ننبسط!

لما حكى لنا عبد القادر هاي القصة صرنا نمزح معه ونقول له:

- بصراحة يا أبو خيرو أنت ما بتاكل بصل وتوم لأنك نكدي، ما بتحب تنبسط!

أبو محمد: كتير كويسة هالقصة. إذا بتريدوا رجعونا لقصة فريد.

أبو المراديس: لما كان فريد طليق، كان ما بيعرف شي من أخبار الحارة والبلد، لأنه هوي على طول داير في الحارات وعم يعمل مشاكل. لكن السجن الانفرادي كان إله ميزة مهمة، اللي هي الإطلال عَ الزقاق وحركة البشر. وبسرعة فائقة تحول شباك فريد لمركز استقطاب اجتماعي، ومتلما بتعرفوا، فريد عنده طاقة بدنية ونفسية عالية، منشان هيك صار مستحيل يمر حدا في الزقاق وما ينادي له، ويمزح معه، وإذا حدا ضايقه بكلمة أو عبارة كان يرد عليه بطريقة مضحكة. متل لما مر من قدام شباكه العم أبو حسني المختص بضرب الطوب (المدفع) في رمضان. كان معروف عن أبو حسني أنه رجل خفيف الظل وصاحب نكتة.. ولما مر وشاف فريد واقف بجوار الشباك ابتسم غصباً عنه، لأن بيعرف إن فريد مجنون. وبعدما ابتسم دار وجهه وتابع طريقه.. فنادى له فريد:

لما وصل اندهش، لأنه في واحد من زملاؤه كان آخد معه حقيبتين كبار وسلة (قرطال)، حاطط فيها بصل وتوم وكزبرة وفليفلة حمرا مقددة، وهيك شي

- يو عمي أبو حسني، يو عمي أبو حسني. تعال قرب لعندي، عاوزك بجوز كلام.

أبو حسني، بحسه الفكاهي، عرف أنه فريد في عنده شي مضحك. فقال لحاله إنه لازم أرد عليه. قرب لعنده وقال له:

- نعم يا فريد. خير؟ أشو لازمك؟

فريد: والله يا عمي أبو حسني أنا مو لازمني شي. كان جاية على بالي إرقعك كفين متل فراق الوالدين، بس المشكلة إني هلق ماني فاضي.

ضحك أبو حسني حتى كاد أن يسقط على الأرض، وقال له:

- مانك فاضي؟ ولا يهمك فريد آغا، الدنيا يسر وعسر، هلق حضرتك مشغول، لكن لا بد ما تفضى، ولما بتفضى ابعت لي خبر، ليكا دارنا قريبة، وأنا بجي لهون، بتضربني كفين، وبتنتهي المشكلة.

ضحك فريد وقال له:

- كلك ذوق يا عمي أبو حسني. الواجب والأصول إني أنا أروح لعندك ع دارك وإضربك كفين، لكن شوفة عينك، أبوي قافل عليّ الباب من جوة، وهون مركّب شبك حديد، وهالشبك كتير صلب، إذا بتدير عليه الطوب تبع رمضان وبتضربه ما بينقلع. بس أنا بعرف أبوي صاحبك. خيو، إنته إذا شفت أبوي قلُّه.

أبو حسني تلفت حواليه، شاف قطعة فحم واقعة ع الأرض، شالها وقال:

- خلص بقول له. خيو فريد، امسيك هاي. لما بيكون حدا مديون إلك سجل بهاي الفحمة ع الحيط. اكتوب: عمي أبو حسني، إلي عليه كفين متل فراق الوالدين. أحسن.

ضحك فريد بشماتة وقال لأبو حسني: كأن عقلك بيخض؟ شلون بدي أكتب وأنا ما بعرف أكتب؟!

(للقصة تتمة)