المترجم بين ناري الأمانة والرقابة (1)

16 نوفمبر 2020
+ الخط -

فوائد قوم عند قوم مصائب.. هذا مثل جديد، لم تعرفه العرب العاربة ولا المستعربة، إنه معكوس مثلهم ذائع الصيت وعجز بيت أبي الطيب نزلت عليه شآبيب الرحمة. مثلنا الجديد انقلب حاله -رأسًا على عقب- كأمور كثيرة من حولنا، يشهد بذلك أستاذ الأدب الإسباني بكلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر، حامد أبو أحمد، وللرجل قصة غريبة مع الأدب اللاتيني الإسباني تحديدًا، وأدب ماريو فارغاس يوسا بصورة أكثر تحديدًا، تؤكد صدقية المثل الجديد!

أعلنت لجنة جائزة نوبل للأدب، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2010، فوز الأديب البيروفي فارغاس يوسا بالجائزة، والتهبت أيدٍ من التصفيق، وتميّزت قلوبٌ من الغيظ، أما في أم الدنيا فكان لهذا الفوز وقعٌ مختلف؛ نحن -حقًا- نختلف عن الآخرين جملةً وتفصيلًا، تؤطر تعاملنا مع الأحداث محلية كانت أو دولية. في اليوم الموالي، عقد المركز القومي للترجمة ندوة حول أدب يوسا، كان بديهيًّا أن يتحدث فيها أبو أحمد، وكانت المفاجأة.

خلال الندوة، أعلن أبو أحمد اعتزال حركة النقد الأدبي، وبرر ذلك بعدم وجود أدباء يستثيرون لديه ملكة النقد، لم يبقَ إلا شوية كَتَبة وغِلمان أدب، وإن وصف يوسا في الليلة ذاتها بالكاتب النضالي والمخلص لإيديولوجيته الملتزم بمبادئه. لم يسلِّم الحاضرون بما قاله أبو أحمد، غمز بعضهم يوسا ولمزه، فمن قائل إنه كاتبٌ تجاري غارق في التناقض؛ فبينما يعارض السلطة إلا أنه هلّل لغزو العراق، واصفًا الشعب العراقي بـ"الخامل"، ومن قائل إنه ليس قديسًا، وله شطحات تستعصي على الحصر.

وثالث يرى أنه يوسا توسّل للسياسة بالأدب، ودخل الانتخابات الرئاسية في بيرو مدعومًا بالولايات المتحدة وكبار التجار، على طريقة "اللي تغلب به العب به"، ولمَّا خسر في الجولة الثانية -بعد فوزه في الأولى- تنازل عن جنسيته وناشد حكومة إسبانيا منحه الجنسية. أصوات عارضت أبو أحمد خلال الندوة، وإن لم تختلف على أهميته ووزنه في أدب أميركا اللاتينية، كل ده كوم وما شعر به أبو أحمد في دواخله كوم تاني.

لم ينتظر الأزهر طويلًا، وخضع أبو أحمد للتحقيق، في 8 مايو/أيار 1988، وأحيل بعد عام من بدء التحقيق إلى مجلس تأديب، في 13 نوفمبر/تشرين ثانٍ 1989، ثم تأجَّل الحكم إلى 8 يناير/كانون ثانٍ 1990

استقبل أبو أحمد خبر فوز يوسا بنوع من الرضا المشوب بسخط عارم، على الوجه فرحٌ وفي الدواخل يغلي ألف بركان (على طريقة نزار قباني)، قلّب هذا الفوز مرارات أبو أحمد، وأعاده 22 سنة إلى الوراء بما تحمله من أتراح وأوجاع. حينها، كلفت الهيئة العامة للكتاب الأستاذ الجامعي بترجمة رواية "من قتل بالومينو موليرو"؛ فترجمها باختصار -حتى في الاسم- وأبصرت النور في فبراير/ شباط 1988 تحت اسم "من قتل موليرو".

في مقدمة الرواية، قدّم أبو أحمد عرضًا بليغًا ماتعًا لمستويات الواقع في أدب يوسا، وأوجز ما قسّمه النقاد المختصون إلى 5 أقسام؛ المستوى الحسي ويتسم بالموضوعية متمثلًا في متابعة الأحداث اليومية العادية (زمنه تاريخي)، والمستوى الأسطوري المرتكز على خوارق العادات برمزيتها (زمنه نقيض التاريخ)، المستوى السريالي أو الفنتازيا واللاشعور (زمنه نفسي)، المستوى الميتافيزيقي الفلسفي، والمستوى الصوفي الذي يجعل من المرء أساسًا للكون.

جاءت الرواية سلسة الأحداث، جيدة السبك، متحفظة العبارة -وسنقارن لاحقًا وعلى عجالة بين ترجمة أبو أحمد وترجمة صالح علماني للعمل نفسه- ومع ذلك لم يسلم أبو أحمد من نيران الغضبان!

في 23 مارس/آذار 1988، أي بعد أقل من شهرين على صدور الترجمة، فتح المحرر الأدبي لجريدة "الشعب"، السيد الغضبان على يوسا وأبو أحمد، وأقام الدنيا عليهما ولم يُقعدها من خلال "الصفحة الثقافية". في هذه الآونة، وبالأحرى عام 1987، تحالف حزب العمل مع "الإخوان المسلمين"؛ ليتخلص من توصيفه (الاشتراكي)، وكوّنا ما سُمي بـ"التحالف الإسلامي"، ومن ثم أضحت جريدة الشعب صوت هذا التحالف، ما ضاعف السخط على الترجمة وصاحبها.

وفي 5 إبريل/نيسان 1988، كتب الغضبان مقالًا آخر مطالبًا الأزهر الشريف بإعلان رأيه صراحًا بواحًا في الرواية، قائلًا "فإذا رأى (الأزهر) أن ما جاء فيها (رواية: من قتل موليرو)، أمر لا يتناقض مع القيم الدينية والأخلاقية؛ فليعلن ذلك صراحة"، مضيفًا ومعلِّلًا "حتى لا يتحرَّج آخرون ممن يريدون نشر الكتابات الجنسية؛ فتشهد بلادنا نهضة حضارية كبيرة بنشر الكتابات الجنسية بقيادة الهيئة العامة للكتاب".

وتابع الغضبان "أما إذا رأى في هذه الرواية خروجًا على القيم الدينية وكتابات فاضحة؛ فليتخذ الإجراءات المناسبة حتى لا تكون (صفة) مترجم الرواية كأحد علماء الأزهر سلاحًا يدافع به من يروِّج لهذه الكتابات". عطف الغضبان كذلك على وزارة الثقافة داعيًا وزيرها لتشكيل لجنة لقراءة الرواية، واتخاذ إجراءات سريعة، متسائلًا: فهل يطول انتظارنا لرأي الأزهر ووزير الثقافة؟ ومستطردًا: "نرجو أن يكون التحرك سريعًا لأننا نواجه منطقًا تبنته أكبر هيئة لنشر الكتاب، وهي هيئة رسمية لها في نفوس الجماهير ثقة كبيرة".

والتقط جمال الغيطاني الخيط، وأوكل لقلمه -عبر صفحة "أخبار الأدب" بجريدة الأخبار- مهمة الدفاع عن أبو أحمد، وانبرى في سلسلة مقالات -على مدى شهرين كاملين، أولها بتاريخ 13 إبريل/ نيسان 1988- يرد على الغضبان. انضم نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغالي شكري للمدافعين عن الرواية، وسادت حالة من الاستقطاب بين الطرفين، وبالغ الفريقان في تضخيم المسألة وصل حد الرمي بالتخلف والعته وغير ذلك الكثير.

لم ينتظر الأزهر طويلًا، وخضع أبو أحمد للتحقيق، في 8 مايو/أيار 1988، وأحيل بعد عام من بدء التحقيق إلى مجلس تأديب، في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، ثم تأجَّل الحكم إلى 8 يناير/كانون الثاني 1990. ضاق أبو أحمد ذرعًا بالدوامة التي علق بها، وأجرى حوارًا صحافيًا مع مجلة "المصور"، نشره محمد الشاذلي في شكل تقرير عن أبعاد الواقعة وحيثياتها من وجهة نظر أبو أحمد.

وورد في التقرير أن رئيس جامعة الأزهر، الدكتور عبد الفتاح الشيخ، أحاله إلى مجلس تأديب لما نُسب إليه من "ألفاظ بذيئة تعلقت بوصف عورة المرأة، وما يتضمنه من ألفاظ جنسية فاضحة بعيدة عن أي قيمة أدبية أو تاريخية، مما يسيء إلى الأزهر وجامعته"، في حين ارتأى أبو أحمد أنه ضحية استهداف شخصي وملاحقة تتعدى الرواية، وأن مبعث هذا الاستهداف حديثه في السر والعلن عن وجوب إصلاح التعليم الأزهري.

أما عن بقية الأحداث، فلها لقاءات قريبة.