اللاجئون... ومشكلة تعلم اللغة!

30 نوفمبر 2020
+ الخط -

كما يقرأ غيري من المهتمين بالشأن العام، أقف مندهشاً حول الآلية التي تتمّ من خلالها قراءة ومعرفة بعض الصور التي أجد أنّها تظل اليوم بحاجة إلى وقفة صريحة عندها، وتقشير ما أمكن منها حتى يتسنى لي ولغيري الوقوف عليها وقراءتها بوضوح وبدقّة متناهية، وهذا ما يفسّر لنا مدى الصدق والتعاطي معها، مع هكذا أمور وأشياء طالما تحصل أمامنا، وبصورة يومية في بلاد الاغتراب التي نعيش فيها.

في الواقع صار أغلب الأصدقاء والشباب المهجّرين في الدول الأوروبية، على وجه التحديد، يتغنّون بالفشل الذريع الذي لحق بهم في بلاد النعيم التي وصلوا إليها هرباً من الديكتاتوريات العربية وغيرها، لا سيما من حيث عدم توافر الأعمال المناسبة التي يمكن لها أن تكون أداة مساعدة، بلا شك في شق طريق الحياة القاسية التي يعانون، وما مدى تعاطيهم في إشكالية توافر العمل للجادين منهم في إيجاد الفرصة التي تتيح لهم الالتزام بها، والبحث الاستقرار عن الهدف بعيداً عن اقتصارها عن تقديم المساعدات التي تقوم الدول بدفعها للاجئين، وهذا ما جعل أغلبهم ماكثاً في بيته تُلجمه الاشتراطات التعجيزية في تأمين العمل المناسب وغير ذلك من الأعمال التي لا تناسب الأغلبية منهم رغم البحث المطول عنها، وتحت ظروف قاسية، وتوافرها يظل ليس بالأمر السهل!

ما أستغربه أن دولا مثل النمسا، ألمانيا، السويد، هولندا وغيرها من الدول الأوروبية التي اهتمت بإيواء اللاجئين، ورحبّت باستقبالهم، وآوتهم ودعّمت إقاماتهم، لم تحاول يوماً تسهيل الإجراءات بتوافر العمل الذي يناسب قدراتهم، على الرغم من الدعم المادي الذي لم تقصّر في دفعه كمساعدة سواء للأسر اللاجئة أو للشباب منهم، واكتفائها بإلزامهم بتعلّم كورسات اللغة، والتي يظل فيها خلط كبير وكبير جداً..!

كل ما هو مطلوب من اللاجئين هو الالتزام بدورات تعلم اللغة على حساب البحث عن العمل الذي لا يشجعون على الانخراط فيه، حتى وإن كانوا أميين وإلّا سيكون مصيرهم العودة إلى بلدانهم

فالذي رأيناه في كيفية اتباع اللاجئ لتعلم كورسات اللغة والالتزام بها، ولأكثر من مرة، وصرف مبالغ لا يستهان بها لقاء ذلك، حتى يتمكن من التعلم، واجتياز مراحل أساسية، يدلل على أنّ الغالبية من الخاضعين لأمثال هذه الدورات صدمت في الواقع من التقيّد بهذه الاشتراطات الملزمة، لا سيما أنَّ الكثير من اللاجئين الذين فرّوا من بلدانهم ولجأوا إلى الدول الأوروبية، كان الهدف الأساس هو طلب الاستقرار والأمان والعيش بكرامة، وليس البحث عن تعلّم اللغة وتكريس الوقت كل الوقت، لأجل خاطر عيونها، وخاصة بالنسبة لكبار السن الذين تم إلحاقهم بها، ومنهم من استفاد بحدود ضيّقة جداً، وظلّت الفائدة تقتصر على أشياء بعينها، وللمتعلمين وحملة الشهادات المتوسطة والجامعية.. حتى أنني أعرف الكثير من الأصدقاء والزملاء والمعارف، من حملة الشهادات الجامعية في الحقوق والاقتصاد والآداب والطبّ والهندسة، ممن سبق لهم أن اتبعوا دورات تعلم اللغة وتعديل شهاداتهم، وبكثافة بإلزام من الجهات المسؤولة عن دمج اللاجئين، إلّا أن مستوى الغالبية منهم في تعلم اللغة ومداركها ما زال أدنى من المطلوب، رغم قضاء سنوات في اتباع دوراتها، وهذه معاناة كبيرة ظلت تلازمهم، ولكن ما هو الحل؟

الحل يكمن في اتباع التعليمات والاشتراطات الخاصة بهم وإلّا ستلجأ الجهات المسؤولة إلى قطع ما هو مخصص لهم من مساعدات رمزية تصرف مع أوّل الشهر، والأنكى من ذلك، وهذا ما لمسناه، أنَّ هناك نسبة عالية من اللاجئين، ممن تجاوز عمرهم الستين عاماً ونيّفاً، أميون بالفطرة، لا يعرفون ألف باء القراءة والكتابة في لغتهم الأم، ومطلوب منهم الالتزام بدورات تعلم لغة الدولة المضيفة وإتقانها، في الوقت الذي يعرف الكثيرون أنّهم لا يدركون أيّ شيء عن لغتهم الأم البتة، ويجهلون حروفها قراءةً وكتابة تماماً!

وبرأيي الشخصي، إنّه كان من المفروض عزل اللاجئين المراد تعليمهم.. من هم دون سن الثلاثين واتباعهم دورات خاصة بهم، أما بالنسبة إلى من هم فوق سنّ الثلاثين وحتى الخمسين، فمن المفروض عدم إلزامهم باتباع دورات مكثّفة والاكتفاء بدورات بين حين وآخر، وكل حسب إمكاناته وقدراته الاستيعابية للغة، أما بالنسبة للأميين منهم، ممن يجهلون القراءة والكتابة، فمن المفروض إعفاؤهم كلية من اتباع أمثال هذه الدورات التعليمية التي تظل بلا فائدة منها!

لا شك أنَّ اللغة دورها كبير وكبير جداً في المعرفة، وإدراك المحيط الذي نعيش فيه، ولكن ليس على حساب هدر الوقت وضياعه بدون فائدة مرجوة، وإلزام اللاجئين بدورات اللغة، وتحت تهديد قطع ما هو مخصص لهم من دخل مالي يساعدهم على المعيشة، وفي الجانب الآخر، وما يؤسف له، هو عدم توافر العمل الذي يلجأ إليه اللاجئ ويعتمد عليه بصورة مستمرة في معيشته المرتبطة بالالتزام بدورات تعلم اللغة، ومشاكلها القائمة، حتى أن أحد الأصدقاء من المتعلمين، الذي سبق له أن حصل على شهادة جامعية، طلب من إحدى العاملات في المكان المسؤول عن احتضان اللاجئين رغبته في العمل كعامل تنظيفات، فقوبل طلبه بالرفض لأن توافر هذا النوع من الأعمال فيه صعوبة بالغة، فضلاً عن بقية الأعمال الأخرى، وهذا ما يحتاج إلى موافقات مسبقة، وإلى جهد غير عادي للحصول عليه.. والحال كذلك في أعمال البناء، وإن كانت أعمالاً شاقة إلّا أنها هي الأخرى ظلت حكراً على فئة بعينها رغم الوقت الطويل الذي يقضيه العامل في مكان العمل، ناهيك بقطع مشوار طويل للوصول إلى المكان الذي يعمل فيه.

إنّ مشكلة توافر العمل بالنسبة للاجئين في الدول الأوروبية ظلت همّاً دائماً تعاني منه الأغلبية منهم.

وتبقى مشكلة الأميين الذين لم يسبق لهم في بلادهم أن تعلموا القراءة والكتابة بإلزامهم بتعلم لغة ثانية، وهو أمر فيه الكثير من الصعوبة. وظل الكثير منهم، وإلى اليوم، في حيرة من هذا الإجراء المتبع.. وكل ما هو مطلوب من اللاجئين هو الالتزام بدورات تعلم اللغة على حساب البحث عن العمل الذي لا يشجعون على الانخراط فيه، حتى وإن كانوا أميين وإلّا سيكون مصيرهم العودة إلى بلدانهم، أو اضطرارهم إلى التسول من عمر وزيد من الناس، كما هو الحال اليوم بالنسبة لبعض الجاليات الأوروبية التي تلجأ للتسوّل في الشوارع، وأمام المحال، وفي أقبية محطات المترو.