الكيان والكينونة الفلسطينية

02 مارس 2025
+ الخط -

مع استمرار حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني والاستهداف الممنهج لوجوده بكافة أشكاله، صدر العدد السابع من مجلة "أمننا القومي" عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي في بداية عام 2025، تحت عنوان "الكيان والكينونة الفلسطينية"، ليقدم رؤية أكاديمية معمقة حول أبرز القضايا الملحة على الساحة الفلسطينية.

 يكتسب هذا العدد أهمية استثنائية، ليس فقط لما يحتويه من أوراق علمية محكمة، ولكن أيضاً لتوقيته الذي يتزامن مع محاولات الاحتلال فرض واقع جديد، عبر الاستيطان، والتهويد، والتضييق السياسي والاقتصادي، بل ومحاولة محو الهوية الفلسطينية من الذاكرة والتاريخ.

ما بدأ عام 1882 كمشروع استيطاني تدريجي تطوّر إلى احتلال شامل يعتمد على التهجير والقتل والقمع. وعلى مدار أكثر من 140 عاماَ، لم يتغير النهج الصهيوني، بل أصبح أكثر وحشية وتنظيماً، بهدف واحد: اقتلاع الفلسطينيين والسيطرة الكاملة على الأرض. وعلى الرغم من كل التحديات، ظل الفلسطينيون متجذرين في أرضهم، مؤكدين على حقهم في تقرير المصير.

أكدت الدراسة المعنونة بـ"أشكال النضال الفلسطيني: الآفاق والتحديات" أهمية إعادة تقييم استراتيجيات المقاومة واعتماد نهج يتماشى مع التحديات الراهنة. وفي ظل المعادلات السياسية الدولية، يبرز خيار المقاومة الشعبية السلمية كوسيلة فعالة لكسب التأييد العالمي للقضية الفلسطينية، مع التأكيد على الحق المشروع في الدفاع عن النفس.

لم تعد المعركة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي تقتصر على ساحات المواجهة التقليدية، بل امتدّت إلى الفضاء السيبراني، حيث باتت "الاختراقات الإلكترونية" أداة يستخدمها الاحتلال وأعوانه لتهديد الأمن السياسي الفلسطيني. وفي هذا السياق، أوصت دراسة بعنوان "الاختراقات السيبرانية وانعكاساتها على الأمن السياسي الفلسطيني" بضرورة اتخاذ تدابير مشددة لحماية المعلومات الفلسطينية، وفرض عقوبات صارمة على المتورطين في هذه الاختراقات التي تمس الأمن الوطني، إلى جانب تعزيز برامج التوعية المجتمعية بخطورة هذه الظاهرة. فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على الأرض والهوية، بل باتت تدور حول السيطرة على المعلومات وتوجيه الرأي العام.

تُسلّط دراسة "التحولات السياسية في إسرائيل وأثرها على الفلسطينيين" الضوء على استمرارية النهج الإسرائيلي الرافض للاعتراف بحقوق الفلسطينيين، حيث تؤكد أن غالبية أعضاء الكنيست الإسرائيلي لا يؤمنون بحل الدولتين، ما يعني أن تغيّر الحكومات في إسرائيل لا يغيّر سياسات الاحتلال القائمة على التوسع الاستيطاني ورفض أي تسوية عادلة. وهذا يؤكد أن النضال الفلسطيني لا يمكن أن يكون رهينة للتحولات السياسية الإسرائيلية، بل يجب أن يُبنى على استراتيجيات وطنية تعزز الصمود الداخلي، وتعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس متينة.

في دراسة تحليلية بعنوان "الولايات المتحدة وإسرائيل: مسارات التفاعل وقيود التغيير إبان الحرب على غزة 2023-2024"، تتضح حقيقة أن الخلافات بين واشنطن وتل أبيب ليست سوى اختلافات تكتيكية حول إدارة الحرب، لكنها لا تمس جوهر العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين. فالولايات المتحدة، رغم الانتقادات الشكلية، لا تزال تقدم الغطاء السياسي والعسكري للاحتلال، وتمنحه هامشاً واسعاً من التصرّف دون ضغوط حقيقية. ومن هنا، فإن الرهان على الموقف الأميركي لتغيير الواقع على الأرض يبقى ضعيفاً، ما يستوجب البحث عن بدائل أخرى، أهمها تعزيز العلاقات الفلسطينية مع القوى الدولية الفاعلة الأخرى، وتوسيع دائرة الحراك الدبلوماسي، سواء عبر القنوات الرسمية أو غير الرسمية كالدبلوماسية الشعبية أو ما يسمى "الدبلوماسية الموازية"، كما توصي دراسة "دور الدبلوماسية الرقمية في تعزيز الرواية الفلسطينية بعد أحداث 7 أكتوبر".

تبقى مدينة القدس محور الصراع، حيث تحاول إسرائيل فرض واقع جديد عبر مشاريع التهويد والاستيطان، لكن الدور الفاعل لمنظمات المجتمع المدني المقدسي ساهم في الحفاظ على الهوية العربية للمدينة، كما توضح دراسة "المجتمع المدني المقدسي ودوره في المحافظة على عروبة المدينة منذ عام 1967"، التي سلّطت الضوء على الجهود المستمرة للحفاظ على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، في وجه المحاولات المستمرة لمحو الطابع العربي للمدينة، سواء عبر التضييق على المؤسسات الفلسطينية، أو تصعيد الاقتحامات للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

وفي السياق ذاته، تؤكد دراسة أخرى في هذا العدد بعنوان "دور منظمة التحرير الفلسطينية في الحفاظ على الهوية الوطنية في القدس"، على أهمية الجهود السياسية والمالية التي تبذلها المنظمة لدعم المؤسسات المقدسية، بالتنسيق مع الدول العربية، وعلى رأسها الأردن. وهنا، يبرز دور التعاون الدولي  كعامل أساسي في التصدي للمحاولات الإسرائيلية لفرض سيطرتها الكاملة على المدينة.

لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني دون معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في فلسطين. وفي هذا السياق، تناول العدد دراسة حول "التحديات التي تواجه أجهزة مكافحة غسيل الأموال الفلسطينية"، والتي شددت على ضرورة تحديث التشريعات وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذه الظاهرة التي تهدد الاقتصاد الفلسطيني.

لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني دون معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في فلسطين.

كما أن مشكلة البطالة تشكل تحدياً كبيراً، وهو ما يرتبط بمخاطر الاستقطاب السياسي والأمني، حيث توصي الدراسة بضرورة إطلاق مشاريع اقتصادية جديدة لتوفير فرص عمل، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، بما يساهم في تحقيق قدر من الاستقلالية الاقتصادية.

خلصت قراءتي لأوراق العدد السابع من مجلة "أمننا القومي" إلى أن التحدي الأكبر اليوم هو إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني بعيداً عن الحسابات الفصائلية الضيّقة والرهانات الخاسرة. فالاختلاف في وجهات النظر، حين يكون نابعاً من اجتهادات وطنية صادقة، يجب أن يشكل مصدر قوة لا سبباً للانقسام. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في افتعال الخلافات لتحقيق مصالح شخصية أو لتنفيذ أجندات خارجية، ما يخدم الاحتلال بشكل مباشر. وعليه، يبقى تمتين الجبهة الداخلية الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات المحيطة بالقضية الفلسطينية، وتعزيز دور المؤسسات الفلسطينية في التأثير على الساحة الدولية.

"كل الأشياء تحدث بسبب فكرة"... هكذا يعلمنا التاريخ، وهكذا أثبتت التجارب الفلسطينية، حيث إن فكرة الصمود تحولت إلى حقيقة رغم محاولات الاقتلاع، وفكرة التحرر لم تمت رغم كل محاولات التصفية. واليوم، نحن أمام مرحلة جديدة، تتطلب تفكيراً مختلفاً، يجمع بين الصلابة في مواجهة الاحتلال، والمرونة في استخدام الأدوات الدبلوماسية، والإبداع في استثمار التكنولوجيا والإعلام الرقمي لخدمة القضية الفلسطينية. وفي ظل الهجمة الإسرائيلية-الأميركية على وكالة أونروا والمخططات التي تستهدف قطاع غزة، يكتسب التعاون الدولي أهمية متزايدة لحماية حق العودة -أحد المرتكزات الأساسية لحق تقرير المصير- وإفشال محاولات تصفية القضية الفلسطينية. كما أن  استمرار العدوان الإسرائيلي على مخيمات شمال الضفة الغربية، والقدس، والمقدسات الإسلامية والمسيحية يستدعي تكثيف الجهود الشعبية والرسمية لحماية هذه الرموز الوطنية والدينية، والتصدي لمحاولات طمس الهوية الفلسطينية.

إن العدد السابع من مجلة "أمننا القومي" لا يقدم فقط أبحاثاً أكاديمية، بل يطرح خريطة طريق للنضال الفلسطيني، تقوم على فهم التحديات، واقتراح الحلول القابلة للتنفيذ، في معركة لا تزال طويلة، لكنها معركة لا يمكن خسارتها، طالما أن هناك شعباً يؤمن بحقه، ومستعداً للدفاع عنه بكل الوسائل المتاحة.