الكابتن ماجد وفريق الفاتحين (1 من 2)

الكابتن ماجد وفريق الفاتحين (1 من 2)

30 اغسطس 2021
+ الخط -

أجمل ما في الأحلام أنها مجانية؛ ولذلك حتى أنا كنت أحلم يوما ما بأن أصير لاعب كرة قدم شهيراً.

في صباي المبكر (إذا استغربت التعبير يهمني أن تعلم أنني أدّخِرُ صِبا متأخراً لأعيشه إذا أمدَّ الله في عمري وبلغت الستين) كانوا يلقبونني بالتمساح الطائـر؛ لأننـي كنت دونـاً عـن كـل رفاق طفولتي أكثر المؤهلين لاحتلال مركز حارس المرمى، فقد كنت أسدُّ نصف مساحته بجسدي الضخم، وكان مطلوباً مني فقط أن أكتسب المهارات الكافية لتحريك جسمي بالسرعة الكافية لحراسة ما تبقى من فراغ المرمى، وهي مهارات اكتسبتها في وقت قياسي أدهشني، والفضل لتلك الفتاة الجميلة ساحرة العينين كلبوظة الخدين عارية الذراعين التي كانت تراقب "ماتشاتنا" من بلكونتها المطلة على «الوسعاية» التي كنا نلعب فيها الكرة، ونتبادل بين "الماتشات" ما تيسّر من أعداد مجلات (الشبكة) و(سمر) و(الموعد)؛ فقط لنشعر بانتصارات لم نكن نحققها أبداً في أرض الملعب. 

تقتضي الأمانة أن أنبهك إلى ألا تسرح بخيالك فتظن أن المرمى كان مرمى بحق وحقيق، هو لم يكن سوى حجرين كبيرين يتم وضع أولهما في نقطة معينة، ثم يقوم رفيقنا «سيد أبو شخّة» بعَدِّ أربع خطوات يتم بعدها وضع الحجر الثاني، قبل أن ينتقل سيد إلى الطرف الآخر من الوسعاية لتكرار ما قام به دون أن يشك أحدنا في ذمته أو يراقبه عن كثب كما كان يحدث عندما يغيب سيد ونضطر لاختيار شخص آخر لإنجاز تلك المهمة التي تتوقف عليها نتيجة الماتش.

اختيار سيد كان توافقياً بين جميع المتنافسين؛ لأنه بغض النظر عن اسمه المنحط كان أقصرنا جميعاً، مما يعني أن المرمى لن يكون واسعاً أكثر من اللازم، كما أنه كان أشطرنا في الحساب وأضيقنا ذمة وأوسعنا صبراً، وإذا دفعتك كل تلك المميزات لكي تسأل عن سر اسمه، أو تظن أننا أطلقنا عليه هذا الاسم المهين انتقاماً من تفرده بتلك المميزات، فلك أن تعلم أنه استحق اسمه عن جدارة بعد واقعة شهيرة حدثت عندما أحرز هدفاً للمرة الأولى في تاريخ اشتراكه في اللعب معنا، ولم يكن أي هدف والسلام، فقد «رقّص» سيد قبل إحراز هدفه ثلاثة لاعبين على رأسهم أكرم الشاكوش الذي نال لقبه عن جدارة لتلذذه بتكسير أقدام كل من يقترب منه، وبعد أن توجه سيد إلى ركن الوسعاية وهو يتهلل طرباً ويرقص فرحاً، فوجئنا به يتوقف بغتة عن ممارسة طقوس الفرحة، ولم نفهم السر إلا بعد أن ربطنا بين ملامح وجهه الخَجِلة والبركة الصغيرة التي تتكون تدريجياً بين قدميه والتي بدا بعد تمعُّن أنها تنبع من أعلى قدميه وتصب في أرض الوسعاية التي سقط عليها على الفور أكثر من عشرين صبياً منفجرين من فرط الضحك الذي كاد يميت بعضهم وهم يشاهدون سيد يهرول باتجاه بيته وهو غارق في سوائل شتى تخرج من أماكن متفرقة من جسده، بعضها من وجهه، ولن أُفَسِّر أكثر من ذلك.

اقترحت على رفاقي الفاتحين بالنيات أن نختار للفريق اسماً لشخصية تاريخية جليلة لا يجرؤ أحد على السخرية منها أيا كان ثقل الهزيمة التي سنشيلها

كان ذلك هو الهدف الأول والأخير الذي أحرزه سيد الذي اتضح أن لديه مشكلة في السيطرة على انفعالاته خصوصاً عندما يفرح؛ لذلك أجبرناه بعدها على اللعب كـ «مسَّاك»، ومع ذلك لم يستطع مسك نفسه من فرط فرحته بعد أول هدف أحرزه فريقنا ذات ماتش مصيري كنا نواجه فيه فريقاً شرساً من حارة أخرى، وهو فريق لن أتمكن لأسباب أخلاقية من ذكر اسمه، مع أنه كان اسماً أطلقه أفراد الفريق على أنفسهم بصدق مع النفس يحسدون عليه، يكفي أن أقول لك إنه اسم يمس أُسَرهم وبالتحديد أمهاتهم، حاولنا كثيرا أن نفهم السبب الذي يجعل الإنسان حتى لو كان في سن منفلتة يتطوع بإهانة أمه عياناً بياناً، وفشلنا في الفهم، لكنني عندما كبرت ودرست علم البلاغة اكتشفت أن ما قام به أولئك الأوغاد بحق أمهاتهم كان تعبيراً مجازياً يهدف إلى إيصال رسالة تخويف إلى المنافسين بأنهم سيواجهون أناسا لا يهمهم أحد، حتى أمهاتهم.

المهم أننا يومها اضطررنا لتحمُّل احتضان سيد لنا وهو غارق في فرحته وسوائله، فقط لكي نحافظ على تماسك الفريق، وبعد أن انتهى الماتش بهزيمتنا من فريق الذين هانت عليهم أمهاتهم جلسنا مع سيد وأفهمناه بصنعة لطافة أن مستقبله الكروي محكوم عليه بالفناء؛ لأن أي فريق لن يستطيع تحمُّل عبء غيابه كلما أحرز الفريق هدفاً يفرح بعدها سيد ثم يسارع إلى بيته لتغيير بنطلون "الترينج" والعودة ثانية.

ومن يومها كلما رأيت هدافاً يجري إلى ركن الملعب ليعبر عن فرحته الغامرة بهدفه، أقول له في عقل بالي: احمد ربنا أنك كنت محظوظا فلم تُصَب باللعنة التي أُصيب بها سيد المسّاك، أو بمعنى أصح سيد الذي كان ذات مرة مسّاكاً.

*    *    *

وما هي لازمة الإحراج بس يا أخي؟ حبكت يعني أن تسألني عن اسم الفريق الذي كنا نلعب فيه في الوسعاية؟ عندك حق! بالتأكيد سؤالك بريء؛ فأنت لا تعرف حساسية الموضوع بالنسبة لي ولكافة أفراد الفريق.

نعم، كنا صغارا جدا، في التاسعة من عمرنا المديد، ومع ذلك كانت فلسطين هي القضية المركزية بالنسبة لنا، لذلك قررنا أن نسمي فريقنا «فريق الفاتحين»، وهو اسم لم يلازمنا أكثر من ثلاثة "ماتشات" هُزِمنا في كل منها هزيمة تختلف عن سابقتها في كونها أشد خزياً وهواناً، لكي أضعك في الجو يكفي أن تعرف أن أكثر هذه الماتشات شرفًا بالنسبة لنا انتهت نتيجته 24 / 3، لصالح الفريق الخصم طبعاً، مع أنه كان فريقاً واقعياً جداً في اختيار اسمه، كان اسمه الأهلي يا سيدي، وبالمناسبة لم أكن أحتاج إلى تجربة مريرة كهذه لكي أصبح أهلاوياً، فقد ولدت كأي طفل طبيعي يتعلم في أولى ابتدائي تلك الجملة التي يتمنى كل الزملكاوية حذفها من مناهج التعليم «أنا أحب أهلي».

نسيت أن أقول لك إن هدفين من الأهداف الثلاثة التي أحرزناها أدخلها مدافعو فريق الأهلي في أنفسهم، ربما زكاة عن عافيتهم، أو ربما لتحسين شكل النتيجة وجعلها أكثر واقعية لكي يصدقهم من سيحكون له عما حدث، حتى الهدف الذي أحرزناه فعلا جاء من كرة خبطت بالصدفة في مؤخرة رأس حربتنا أشرف غزال الذي كان منكفئا على ذاته أمام مرمى الخصم يحاول ربط حذائه الذي ذلّ أبداننا به منذ أحضره له والده من مدينة «تبوك» السعودية التي كان اسمها بالنسبة لنا مثيرا للرهبة والإجلال، منذ قال لنا أشرف إنه عندما سأل أمه بعد أشهر من سفر والده إلى تبوك: «هو بابا بيعمل إيه في تبوك يا ماما؟»، لم تجد إجابة أكثر إقناعا من أن تقول له: «باباك مع الصحابة في تبوك ياحبيبي».

نعم، كنا صغارا جدا، في التاسعة من عمرنا المديد، ومع ذلك كانت فلسطين هي القضية المركزية بالنسبة لنا، لذلك قررنا أن نسمي فريقنا «فريق الفاتحين»

وحكاية تبوك هذه بغض النظر عن "الكوتشي" الذي جاء منها، كانت سبباً في جعلنا نختص أشرف بموقع رأس الحربة برغم ضعف نظره، وجاء الهدف الذي أدخله أشرف بالصدفة دليلاً على بُعد نظرنا في الاعتقاد بأنه سيكون بركة للفريق، كان ذلك قبل أن يغرق الفريق ورأس حربته في «بِركة» من الهزائم النكراء جعلتنا نبادر طواعية إلى تغيير اسم الفريق، والفضل في ذلك يرجع إلى سيد المسّاك الذي برغم أنه لم يعد مسّاكا على الإطلاق (بل تحول إلى مراقب عام للمباريات، وفي بعض الأحيان إلى حكم بديل عندما يقوم لاعب متحمس بضرب الحكم الأصلي في مكان حساس) لكنه لم يفقد تعاطفه مع الفريق ولا إيمانه بقضيته، ولأنه كان أبعدنا نظراً فقد حذرنا بعد آخر هزيمة من أننا يمكن أن نتعرض في أي لحظة للسخرية من اسم الفريق فيتم تسميته مثلاً «فريق المفتوحين»، فنجلب العار ليس لأنفسنا فقط، بل للقضية النبيلة التي كنا نود بصدق أن نشرفها، لكننا لم نستطع، فقررنا الاكتفاء بشرف المحاولة.

بعد طول تفكير، اقترحت على رفاقي الفاتحين بالنيات أن نختار للفريق اسماً لشخصية تاريخية جليلة لا يجرؤ أحد على السخرية منها أيا كان ثقل الهزيمة التي سنشيلها، بعد خلافات عميقة اخترنا اسم طارق بن زياد، ليس عن دراية عميقة بتاريخ الأندلس بل لأن صاحب الكرة التي كنا نلعب بها كان اسمه طارق، والاسم لم يعمر معنا طويلا؛ لأن الكرة خرجت عن مسارها ذات يوم وحطمت زجاج نافذة الأسطى محسن النجار، ومع أنها حطمت نافذة بيته لا ورشته، إلا أنه اتضح أنه يعشق عمله كثيرا، فقد كان يحتفظ بمنشار في البيت، وقام بنشر الكرة أمام أعيننا وسط انهيار صاحبها الذي اتضح أن الكرة لم تكن له أساسا، بل كان يؤجرها من جاره مقابل عدد من مجلة (سوبر ميكي) في كل مرة، وهو ما لم يكن يشكل عبئاً مادياً عليه، لأنه كما اعترف لنا كان يختلس المجلدات من محل والده بائع الكتب المستعملة، واعترافه انتهى بسؤال وجيه جدا: «تفتكروا الكورة دي تساوي كام مجلد سوبر ميكي؟».

وبعد أن فقدنا كرة طارق وفقدنا معها ذريعة تسمية فريقنا على اسمه، لم تعد مشكلتنا البحث عن اسم للفريق فقط، بل أصبح الأهم أن نجد كرة يلعب بها الفريق دون أن يذل نفسه لفرق أخرى لا تحمل أسماء الأبطال مثلنا، لكنها تحظى دائما بما لم نجربه من قبل؛ نشوة الانتصار.

...

نكمل غداً بإذن الله